لأن خروجه عن الأمرين جميعا محال . وما دللنا به من قبل على أن الشيء لا يكون مخالفا لغيره بخلاف يبطل قولهم إنه غير لغيره لعلة . على أن قولنا في الشيء إنه غير الشيء الآخر في التحقيق إلى النفي ، / وما جرى مجرى النفي لا يستحق لعلة ولا للنفس ، وإنما يفيد أحكاما مخصوصة فقط ، فكيف يقال : إنه غير لعلة .
على أن الشيء لو كان غيرا لغيره لعلة لوجب في علته أن تكون غيرا للعلة الأخرى لعلة ، وكذلك القول في علة العلة ؛ لأن معنى التغاير في الكل سواء ، فلا يمكن أن يقال : إن الجسم غير لغيره ، والغيرية لا يصح كونها غيرا لغيرها ، كما يقال في الحركة والمتحرك . ولا يصح أن يقال : إن الغيرية غير لغيرها إلا لعلة ، وتفارق الجسم كما يفارق كونه تعالى عالما كون الواحد منا عالما ؛ لأن استحقاق الكل للتغاير لا يختلف . وفي هذا إيجاب وجود ما لا نهاية له ليحصل الشيء غيرا لغيره ، وذلك يؤدى إلى نفى الغيرية أصلا . على أنه كان يجب في الأعراض والمعدوم وسائر ما تقوم به المعاني ألا تكون متغايرة . وفي علمنا بتغايرها مع استحالة تعلق المعاني بها دلالة على بطلان هذا القول . وكان يجب ألا يكون الجسم غيرا لها ، كما لا تكون غيرا له . وإنما صح أن يقال في الواحد من العشرة : إنه بعضها ، ولا يقال :
إنها بعضه « 1 » ، لكون العشرة شاملا له والتسعة ، وامتناع ذلك في الواحد ؛ لأنه لا يشمل العشرة . ومعنى الغيرية في الجسم والعرض سواء ، وإن لم يكن العرض غيرا للجسم ، فيجب ألا يكون الجسم غيره أيضا ، وفي هذا إبطال التغاير .
على أن من تعلق بهذا الباب لا يصح أن يعتصم به مما ألزمناه ، لأنه يلزمه القول بأنّ كلام اللّه غير له لغيرية تقوم به ، وبالكلام لمثل ما له نقول ذلك في الحوادث
هامش
( 1 ) في الأصل : « إنه بعضها ولا يقال إنه بعضها ولا يقال بعضه » وفي العبارة تكرار لا معنى له .