تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
على أنا قد بينا في باب الصفات أن الدليل إنما يدل على الشيء لتعلقه به ، إما لأمر يرجع إلى نفسه أو إلى اختيار فاعله وإحداثه له على وجه . ولا تعلق بين هذه العبارات وبين الجملة القديمة البتة ، فكيف يقال إنها تدل على معناها ! ومن حق الدليل أن يختص بمدلوله ما لا يختص بغيره ، وليس لها بالكلمة من الاختصاص ما ليس لها بذات القديم تعالى ؛ وكيف يقال : إنها تدل عليه ، ولا يصح أن يعرفنا معناها بالكتابة ، لأنها كالعبارة ، فإذا كانت لا تدل على معناها لما قدّمناه فكذلك الكتابة ؛ ولأنها تفيد ما هي أمارة عليه ، وهو الحروف المنظومة . فإذا استحال كون الكلمة القديمة بهذه الصفة فكيف يصح التطرق بها إلى معنى الكلمة . ولا يصح أن يقال : إنه يعرفنا المراد بها بالإشارة ، لاستحالتها عليه ، على هذا الوجه الّذي يفيد بوقوعها من المشير منا ، لأن ذلك إنما يصح من حيث اختصت باللّه ، أو ما يجرى مجراها ، ومن حيث صح الاضطرار إلى قصده . وكلا الأمرين لا يصح فيه تعالى ، ولا يمكن أن يقال : إنه يعلمنا المراد بها ضرورة ؛ لأنا نعلم خلاف ذلك من أنفسنا ، ولأنه لو كان كذلك لما وقعت المنازعة فيه ، ولأن العلم بذاته تعالى إذا كان مكتسبا فالعلم بكلامه والمراد به أولى بذلك . وهذه الجملة تبين أنه لا سبيل للقوم إلى أن يثبتوا أن كلامه تعالى يفيد أو يعرف ما يفيده إن كان قديما ، وإن حالهم في هذا الاعتقاد أسوأ من حال العامة ، لأنهم قد أثبتوا له كلاما معقولا ، وهو القرآن الّذي يسمع ويتلى . وإنما أخطئوا في قدمه ، فإذا نسبوا إلى التجاهل فبأن ينسب الكلابية إلى ذلك أولى . ولهذه الجملة نقول : إن كلام الكلابية بمنزلة كسب البحار ، وطبع أصحاب الطبائع ، وتثليث النصارى في أنه لا يعقل ؛ لأنه إنما يعقل الشيء بصفاته وأحكامه . وقد بينا ما يوضح من حالهم أنهم لم يخصوا كلامه بصفة معقولة ولا حكم معقول . وأيضا فإن كل ما قدمناه في باب الصفات ودللنا به على أنه لا يجوز إثبات قديم باق يبطل قولهم في الكلام ؛ لأن القديم تعالى إذا كان إنما يخالف المحدث بكونه قديما فيجب في كل ما شاركه في هذه الصفة أن يكون مثله في سائر ما يختص به ؛ وأن يكون القديم مثله . وهذا يوجب كونه تعالى كلاما ، واستحالة كونه حيا متكلما كالكلام ؛ ويوجب كون كلامه مما يصح أن يكون حيا عالما قادرا . ولهذه الطريقة ألزمهم شيوخنا - رحمهم اللّه - القول بإثبات إله ثان مع اللّه سبحانه ؛ لأن كون القديم قديما يقتضي فيه كونه مختصا بالصفات التي معها يصح أن يفعل ما يستحق معه العبادة ؛ فلو كان له كلام قديم لوجب كونه بهذه الصفات . / وهذا يوجب كونه إلها ثانيا . وقد بينا هذه الطريقة وشرحناها في باب الصفات ، فلا وجه لإعادتها . ومحصول الكلام في ذلك أن المشاركة في صفة النفس توجب المشاركة في سائر صفات النفس ؛ على ما دللنا عليه في باب الصفات . وقد دللنا على أنه تعالى قديم عالم قادر حىّ لذاته ؛ فالكلام على قولهم : إذا شاركه في كونه قديما فيجب أن يشاركه في هذه الصفات أجمع ؛ وكونه مشاركا له فيها يوجب كونه إلها ؛ لأن الإله إنما يوصف بذلك لأن العبادة تحق له وتليق به . وإنما يختص بذلك لكونه قادرا على إنعام مخصوص يستحق بمثله العبادة ؛ وكل