على أنا / قد بينا في باب الصفات أن الدليل إنما يدل على الشيء لتعلقه به ، إما لأمر يرجع إلى نفسه أو إلى اختيار فاعله وإحداثه له على وجه . ولا تعلق بين هذه العبارات وبين الجملة القديمة البتة ، فكيف يقال إنها تدل على معناها ! ومن حق الدليل أن يختص بمدلوله ما لا يختص بغيره ، وليس لها بالكلمة من الاختصاص ما ليس لها بذات القديم تعالى ؛ وكيف قال : إنها تدل عليه ، ولا يصح أن يعرفنا معناها بالكتابة ، لأنها كالعبارة ، فإذا كانت لا تدل على معناها لما قدّمناه فكذلك الكتابة ؛ ولأنها تفيد ما هي أمارة عليه ، وهو الحروف المنظومة . فإذا استحال كون الكلمة القديمة بهذه الصفة فكيف يصح التطرق بها إلى معنى الكلمة .
ولا يصح أن يقال : إنه يعرفنا المراد بها الإشارة ، لاستحالتها عليه ، على هذا الوجه الّذي يفيد بوقوعها من المشير منا ، لأن ذلك إنما يصح من حيث اختصت باللّه ، أو ما يجرى مجراها ، ومن حيث صح الاضطرار إلى قصده . وكلا الأمرين لا يصح فيه تعالى ، ولا يمكن أن يقال : إنه يعلمنا المراد بها ضرورة ؛ لأنا تعلم خلاف ذلك من أنفسنا ، ولأنه لو كان كذلك لما وقعت المنازعة فيه ، ولأن العلم بذاته تعالى إذا كان مكتسبا فالعلم بكلامه والمراد به أولى بذلك . وهذه الجملة / تبين أنه لا سبيل للقوم إلى أن يثبتوا أن كلامه تعالى يفيد أو يعرف ما يفيده إن كان قديما ، وإن حالهم في هذا الاعتقاد أسوأ من حال العامة ، لأنهم قد أثبتوا له كلاما معقولا ، وهو القرآن الّذي يسمع ويتلى .
وإنما أخطئوا في قدمه ، فإذا نسبوا إلى التجاهل فبأن ينسب الكلابية إلى ذلك أولى .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 109
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٩