فصل يتصل بذلك
ولا يجوز أن تكون العلة التي لها لا يختار الواحد منا القبيح أنه يفعله لذلك يلحقه ضرر من حيث يحتاج إلى استعمال محل قدرته في الفعل .
وذلك أنّ ما قاله من أنه يلحقه يسير المضرة ، لو صحّ ، لكان مما لا يعتد به ، ولا يحسّ بحصوله ، ولا يخطر ببال أكثر القادرين . وما هذه حاله لا يصح أن يقال إنه لأجله لم يختر القادر فعل الكذب ، لأنه مما لا يعلم ، ولا يعتقد . وقد بيّنا أنّ الداعي « 1 » هو كونه عالما ، أو ظانا ، أو معتقدا ، فلا يصح إذا صرف ماله لم يفعل القبيح مما حصل عليه وعلمه ، إلى ما لم يحصل عليه ولم يعلمه .
وبعد ، فانّ الكلام انما بنى على أنه لا يفعل الكذب ، إذا استغنى بالصدق عنه ، وحالهما سواء في أنهما يضران / ، من حيث يستعمل المحل فيهما . فلو لم يفعل الكذب لهذه العلة ، لم يفعل الصدق أيضا . « 2 » فثبت فيه أنه انما لم يفعل لما ذكرناه .
ولو قيل إنه لا مضرة عليه في الكذب ، لأنه لا يؤثر في محل الفعل ، ولا يحصل فيه تخلخل وافتراق ، ولا تعب وألم ، فيجب أن تكون العلة ما ذكرناه أقرب ؛ وان كان لقائل أن يعترضه بأن يقول : لو كان ذلك فيجب أن لا يستحق الثواب على الصدق وسائر ما كلفه من الأفعال ؛ ان لم تلحق فيه المشقة . ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال : انّ الثواب قد يستحق بالأمر الشاق ، فيما يجرى مجراه ، وان لم يكن في الحقيقة شاقا . ولذلك يستحق الثواب على أن لا يفعل ما يشتهيه من القبائح ،
هامش
( 1 ) الداعي هو : الدواعي هي ط
( 2 ) فثبت . . . . قلناه : ساقطة من ط