لم تكن صحة الفعل موجبا لتغير حاله عما كان عليه ، الا القدر الّذي قدمناه .
فان قيل : وكيف « 1 » يصح كون كلا هذين الأمرين علة في أن لا نختار القبيح ، ومن قولكم : انّ العلة لا تصح أن تكون علة لمقارنة غيرها لها ، وأنها متى أثرت مع غيرها ، فيجب أن تؤثر بانفرادها ؟
قيل له : انّ الّذي ذكرته ، انما يجب في العلل الموجبة ، فأمّا ما « 2 » يجرى مجرى الموجب من الدواعي وغيرها ، فلا يجب ذلك فيه . كما يصح كون الظلم ظلما لوجوه ، والحسن حسنا لوجوه يحصل عليها ، وانتفاء وجوه القبح عنه . ولذلك صحّ في كثير من الدواعي أن لا تقتضى الاقدام أو الكف ، إذا عارضه غيره من الدواعي ، وتغير حاله بذلك ؛ وذلك يستحيل في العلل .
فان قيل : هلا جعلتم العلة في أنه لم يختر القبيح علمه بقبحه وغناه عنه ، كما أطلقه الشيوخ رحمهم اللّه « 3 » في الكتب ؟ وما / الحاجة بكم إلى القول بأنه يجب أن يكون عالما بأنه غنى عنه ؟
قيل له : كما لم نقتصر في ذلك على كون الفعل قبيحا ، بل نطلب « 4 » فيه علمه بقبحه ، فكذلك لا نقتصر على كونه غنيا عنه ، بل نطلب فيه علمه بذلك من حاله . يبين صحة ذلك أنه لو اعتقد فيما هو غنى عنه الحاجة إليه ، لصحّ أن يؤثره ، كما لو اعتقد في القبيح أنه حسن ، لصحّ أن يختاره ؛ ولو اعتقد فيما يحتاج إليه أنه غنى عنه ، لم يختره . وذلك يبين صحة ما قيّدنا به الكلام من كونه عالما بأنه غنى عنه . والأصل
هامش
( 1 ) وكيف : كيف ط
( 2 ) ما : فيما ط
( 3 ) رحمهم اللّه : ساقطة من ط
( 4 ) نطلب : في النسختين « طلب » ، وما ذكرناه أصوب ( المحقق )