فصل في أن الواحد منا يصح أن يستغنى عن فعل القبيح ويعلم قبحه أو أنه غنّى عنه
اعلم أنّ الواحد منا ، وان كان لا بد من أن يكون محتاجا ، لجواز النفع والضرر عليه ، فقد يصح أن يستغنى عن شيء معين بأحد أمرين :
امّا بأن يكون المعلوم من حال ذلك الشيء أنه لا ينتفع به ، ولا يؤدى إلى نفع ، أو لا يدفع ضررا به عاجلا ولا آجلا .
والثاني أن يكون له في الفعل منفعة ، لكن ذلك النفع بعينه يمكنه الوصول إليه بغيره ، فيكون غنيا عنه لصحة توصله إلى النفع الّذي فيه بغيره . وقد علمنا أنّ الكذب والصدق ، إذا استويا في أنه يمكنه الوصول بكل واحد منهما إلى قدر من النفع ، أنه غنى عن الكذب من حيث يمكنه الوصول إلى ما فيه من النفع بالصدق / فيجرى مجرى كذب لا نفع فيه أصلا في أنه غنى عنه .
فان قيل : إذا كان يصل بالكذب إلى ما ذكرتموه من النفع ، كما يصل بالصدق إليه ، فلو جاز أن يقال إنه غنى عن الكذب لهذه العلة ، لجاز أن يقال إنه غنى عن الصدق أيضا ؟ لأنّ حالهما في صحة الوصول بكل واحد منهما إلى ذلك النفع على سواء ، وهذا يؤدى إلى كونه غنيا عنهما جميعا . وفساد ذلك يوجب الحاجة إليهما ، وفي ذلك ابطال ما ذكرتموه « 1 » .
هامش
( 1 ) ذكرتموه : قلتموه ط