الا بعده ، ولا يصح نفى القبائح عن اللّه تعالى الا بعد العلم بها . ولهذا قلنا انّ من قال في الأشياء انها تقبح للنهي ، وفي المحسنات أنها تحسن للأمر ، أنه لا نأمن أنّ كل شيء أمر تعالى به فهو قبيح ، وكل ما نهى عنه فهو يحسن ، لأنه لا سبيل له إلى أن يعرف كون القديم تعالى « 1 » حكيما ، مع تجويزه القبائح عليه .
ومما يدل على بطلان هذا القول : أنّا قد علمنا أنّ الكامل العقل لا بد في أفعاله من أن يكون له فعلها أو لا يكون له ذلك . والعلم بذلك ضروري ؛ وان لم يكن له فعلها فهي قبيحة ، وان كان له فعلها فهي حسنة . فإذا صحّ ذلك لم يخل من أن يكون عالما بأنه يقبح منه فعل ما ليس له فعله ، أو غير عالم ؛ فإن كان / غير عالم فقد خلا فعله من أن يكون قبيحا أو حسنا ؛ وان كان عالما بذلك لم يخل من أن يعلم قبح الظلم والكذب ، وان لم يعلم النهى أو لا بد من أن يعلمه ؛ فإن كان يعلم قبحهما وان لم يعلم النهى ، فقد ثبت أنهما يقبحان لا للنهي ، لأنا « 2 » قد بيّنا أنّ وجه قبح الفعل يجب أن يعلم حتى يعلم قبحه ؛ وان كان يعلم النهى لا محالة فلا يخلو من أن يعلم ذلك باضطرار أو استدلال . وكونه ضروريا يوجب تساوى العقلاء فيه ، وأن لا يتأتى منا النظر فنعلمه . وان كان باكتساب يعرف النهى ، فيجب أن لا يعرف « 3 » قبح شيء ولا حسنه إذا لم نستدل ، كما نقوله في السمعيات ، بل كان يجب أن لا يقبح منه شيء البتة ، لأنه لا سبيل له في ابتداء كمال عقله إلى الاستدلال على الأمر
هامش
( 1 ) تعالى : سبحانه ط
( 2 ) لأنا : لما ط
( 3 ) يعرف : يعلم ط