لطبعه ، وكذلك الظلمة ترسب سفلا . فيجب إثباتهما فيما لم يزل متباينين على ما قدمناه .
الجواب أن ما ذكروه لا يدل على إثبات أصلين قبل وجود ما وجدناه من النور والظلمة . لأن الشيء لا يدل على مثله ، ولا يجب القضاء لأجل وجوده على وجود مثله من قبل . وقد دللنا على فساد هذه الطريقة في الاستدلال بالشاهد على الغائب من قبل ، وبينا أن القول بها يؤدى إلى أن يدل الشيء على أمثال لا نهاية لها ، وبينا أن ذلك يستحيل ، وبينا أن الشيء إنما يدل على غيره لتعلقه به كتعلق الفعل بالفاعل إلى ما شاكله وأن ذلك لا يصح في دلالة النور على مثله ، وذلك يسقط هذا الاستدلال . على أنه لو دل على مثله لم يوجب كون ذلك المثل قديما ، لأن الفعل يدل على فاعله ولا يدل على كونه قديما ، فمن أين أن الأصلين / قديمان ؟
وبعد ، فإن محصول قولهم أن الشيء يدل على نفسه ، لأن عندهم أن هذا النور هو النور الّذي كان من قبل ، وأنه القديم ، فكيف يصح القول بأنه يدل على نفسه ؟ ومتى قال إنه يدل بوجوده الآن على أنه قد كان موجودا في كل حال ، فقد بينا فساد هذه الطريقة على الدهرية .
على أن ما اعتلوا به يوجب عليهم القول بأن النور لم يزل ممازجا للظلمة ، لأنه لم يوجد إلا كذلك ، ولم يوجد نهار أيضا إلا ويتعقبه ليل وظلام بحيث هو فيه ، فيجب أن لا يثبتوا النور والظلمة إلا على هذا الوجه . وفي ذلك إبطال قولهم بأنهما كانا متباينين ثم امتزجا .
على أنا لا نسلم لهم أنه ليس في الأجسام إلا النور أو الظلمة ، لأن في الأجسام ما يختص بصفة ثالثة وهو الأكثر منها . ومتى أرادوا بالظلمة ما طرح الظل والنور
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 51
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥١