إلى النور والشر إلى الظلمة ، لاختصاص النور بالأحوال الحسنة والظلمة بالأحوال القبيحة .
الجواب أن ما ذكروه يوجب انقسام الأجسام على قسمين ، وليس فيه دلالة على أنهما قديمان ، ولا على أن الخير والشر منهما ، بل لا يدل ذلك على كونهما حيّين أو قادرين أو فاعلين ، فيقال لهم : وما في نفى النور للظلمة وفي نفى الظلمة للنور ما يدل على أن الخير يقع من النور والشر يقع من الظلمة ؟ وما الّذي ينكر من اختصاصهما بما ذكرناه ، وإن كانا محدثين مدبّرين ؟ وبعد ، فإن هذه العلة توجب أن تكون الأجسام كلها من جوهر الظلمة ، إلا الشمس والقمر ، لأن ما عداهما ذوات ظل ، وذلك ينقض عليهم . ومتى زعموا أن الأرواح التي في الأبدان من النور ، لزمهم أن تكون عالمة بموضعها ومحبة لمفارقتها للأبدان التي هي الظلمة ، وذلك مما نعلم من أنفسنا خلافه . على أن ما بيناه من جواز وقوع الخير والشر من واحد إلى سائر ما تقصّيناه يبطل هذا القول ؛ وما دللنا به على حدوث الأجسام وعلى أن الفعل لا يقع إلا بالاختيار ، وعلى نفى الطبع يسقطه / أيضا .
شبهة أخرى لهم
قالوا : قد وجدنا الشاهد من حقه أن يدل على الغائب ؛ وقد علمنا أن كل ما نجده لا يخلو من نور وظلمة كالميل والنهار ، فيجب أن يدلا على أمر من جنسهما ، لأنه لا يجوز أن يدل الشيء على خلافه ، ولأن الشيء لو دلّ على خلافه ، لدل على خلافه من كل وجه ، وهذا يبطل دلالة الموجود على موجود ، فيجب أن يدل على جنسه . وهذا يوجب إثبات أصلين : نور وظلمة ، ويوجب القول بأنهما كانا متباينين من حيث علمنا أن النور متى خلا مما يوجب وقوفه فقد صعد