تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
دون بعض ، ثم يتعارف استعماله فيه فيصير كأنه حقيقة له . وليس له أن يقول : هلا خصصتم بهذه التسمية العلم بقبح القبيح دون سائر العلوم التي بها يكمل العقل ؟ لما قدّمناه من أن جملة تلك العلوم بمنزلة العلم الواحد لمّا كان وجود بعضه دون بعض غير مقيد به في الحكم المتعلق به ولأن وجود كثير منه يستحيل إلا مع وجود سائره . والوجه الثاني أن بهذه العلوم التي سميناها عقلا تثبت سائر العلوم ، لأن من ليس بعاقل لا يجوز أن يحفظ ويعلم المعلومات التابعة لكمال العقل . فمن حيث ثبت ذلك به حلّ محلّ عقال الناقة الّذي تثبّت الناقة به . ولأجل هذه « 1 » الجملة نصحّح ما قلناه من أنه تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه عاقل ، وإن كان عالما بما يعلمه العقلاء / وبسائر المعلومات . فإن قيل : أفتقولون إنه تعالى ليس بعاقل ، أولا يعقل ، إذا لم تصفوه بأنه عاقل ؟ قيل له : لا ! وذلك أن في إطلاق ذلك إبهام ، لأن في الأظهر لا يستعمل ذلك إلا فيمن لا يعلم كالمجانين والصبيان ، وقد ثبت كونه سبحانه عالما بكل شيء ، ولا يجوز أن يجرى عليه ما يوهم إطلاقه كونه غير عالم . وبمثل هذه العلة قال شيوخنا : إنه لا يقال فيه ، جل وعز ، لا علم له بالأشياء لما فيه من إيهام نفى كونه عالما ، من حيث تعورف استعمال هذه اللفظة في هذا الوجه ؛ وإنما يقال إنه تعالى عالم بالأشياء ولا يحتاج في كونه عالما إلى علم يعلم به يكون ثابتا له . وعلى هذا الوجه لا يقال فيه تعالى إنه غير متبين ، إلى ما شاكله ، لما فيه من إيهام كونه غير عالم . فما كان بهذه الصفة فيجب أن لا يستعمل فيه نفيا ولا إثباتا . وما لم يحصل فيه هذا الضرب من الإيهام جاز استعماله فيه نفيا ، وإن لم يستعمل فيه إثباتا . فأما قوله تعالى :
« وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً »
« 2 » فمجاز ،
هامش
( 1 ) ولأجل هذه : وهذه خ . ( 2 ) سورة 72 ( الجن ) : 28