الأصنام « 1 » وغيرها فتعبد لتجرى العبادة لها مجرى العبادة له . على أن العبادة لا تحق « 2 » إلا للّه تعالى ، ولا يصح أن يعبد غيره ولا يحسن ذلك لما قدمناه من قبل . فكيف يقال : إنا نعبد الأصنام لتقربنا إلى اللّه زلفى ؟ وكيف يصح أن يقال إنها تقرّب إلى اللّه ، وهي مما يستحيل أن يفعل ويختار ؟ وإنما كان يصح أن تكون مقرّبة لمن يعبدها إلى اللّه لو كان لها اختيار . وكيف يصح أن تكون مقرّبة لهم إلى اللّه بعبادتها ، مع أنها معصية ؟ والتقرب إلى اللّه بالمعصية لا يحسن ؛ ولا يقع معنى التقرب به ؛ لأن التقرّب إليه هو طلب المنزلة والرفعة منه بالعبادة ؛ فما كان قبيحا من الأفعال فلا يستحق به ذلك ؛ ولا يصح أن يقال إن معنى التقرب يقع به . وذلك يبطل عبادتهم للصنم لهذه البغية ، كما يبطل عبادتهم للصنم على سبيل أنه الخالق الإله . فلا فرق بين قبح عبادة الصنم في الوجه الأول والوجه الثاني .
فإن قال قائل : أتجوّزون ورود التعبد بعبادة الأصنام والسجود / لها على وجه من الوجوه ؟ قيل له : أما عبادتها في الحقيقة فلا تجوز ؛ لأنا قد بيّنا أن العبادة لا تحسن إلا لمن أنعم نعما مخصوصة ؛ كما لا يحسن الشكر إلا للمنعم ؛ لأن العبادة هي ضرب من الخضوع والتذلل للمعبود بأفعال مخصوصة . وقد علمنا أن هذا المعنى لا يصح في الأصنام . فأما ورود العبادة بأن تجعل بعض الأصنام أو بعض الأجسام كالقبلة ، فكان لا يمتنع لو وردت به كما وردت العبادة بأن نعبد اللّه بصلواتنا إلى جهة الكعبة .
وأما تعبّد الصنم ليقربنا إلى اللّه فمما يستحيل ورود العبادة به لما قدمناه .
هامش
( 1 ) الأصنام : الأجسام خ .
( 2 ) تحق : تجوز م .