تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
يكون محتاجا إلى أمر ؛ وغنيا عن غيره ، كما لا يمتنع كونه عالما بالشيء جاهلا بغيره وفارق في هذا الوجه الوجود وسائر الصفات التي لا يصح هذا المعنى فيها . فلذلك لا يمتنع في الحي أن يكون محتاجا إلى إدراك الرائحة غنيا عن المأكول كما نقوله في الملائكة عليهم السلام . ولذلك صح في أحدنا أن يستغنى عن الشيء وإن احتاج إلى غيره لكن هذا الوجه إنما يصح في الحي الّذي تجوز عليه الحاجة . فأما من دلت الدلالة على أن الحاجة تستحيل عليه ، فلا يصح كونه محتاجا إلى شيء البتة ، كما أن من ثبت بالدليل كونه عالما لنفسه استحال عليه الجهل على كل وجه . وليس لأحد أن يقول : إذا استحال على القديم تعالى الحاجة فوصفه بأنه غنى لا وجه له ؛ كما لا يصح وصف الأعراض وسائر ما ليس بحي بذلك ، وإنما يوصف بذلك كل حي يجوز عليه الحاجة . وذلك لأن ماله ولأجله وصف الحي منا بأنه غنى ، إذا حصل فيه تعالى ، وجب وصفه بذلك وقد علم أن الواحد منا إذا لم يحتج إلى شيء مخصوص وصف بأنه غنى عنه من حيث كان حيا غير محتاج إليه ، ولذلك لا يوصف الميت بأنه غنى عن الشيء . فإذا ثبت بالدليل أنه جل وعز ليس بمحتاج إلى شيء البتة ، وجب وصفه بأنه غنى عنها . وليس لغنى الحي منا عن الشيء تعلق بحاجته إلى غيره ، فلا يصح أن يقال إنما وصف بأنه غنى عنه من حيث خرج من أن يكون محتاجا إليه مع أنه يحتاج إلى غيره . ولا فرق بين هذا القول وبين من قال إنه لا يوصف بأنه عالم بالشيء إلا إذا جهل غيره وكيف يصح ذلك / ولو حصل محتاجا إلى ما هو غنى عنه كحاجته إلى الآخر لم يكن غنيا ، وإذا لم يكن محتاجا إليه وصف بأنه غنى عنه وحاجته إلى الآخر في الحالين على أمر واحد . فعلم أن وصفه بأنه غنى يفيد أنه ليس بمحتاج إلى الشيء الّذي قيل إنه غنى عنه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 9 | القاضي عبد الجبار الهمذاني