فصل في بيان معنى الحاجة وما يتصل بذلك
أعلم أن المحتاج إنما يحتاج إلى اجتلاب المنافع وما يتبعه من السرور ، ودفع المضار وما يتبعه من الغموم . وقد يحتاج إلى ما به تجتلب المنفعة وتدفع المضرة من الأفعال والآلات وما جرى مجراها .
فأما ما لا مدخل له في ذلك ، فإنه لا يوصف بأنه يحتاج إليه على وجه ؛ ولذلك نصف الواحد منا بأنه يحتاج إلى العلوم والاعتقادات والإدراك والحواس كما نصفه بالحاجة إلى الآلات ، لأن ذلك أجمع يشترك في أنه يجتلب به المنافع ؛ ولهذه الجملة لم يقتصر في اجتلاب المنافع على فعل ما يوجب المنفعة دون ما يتوصل به إلى المنفعة بواسطة أو وسائط ، ولذلك يجتلب الثواب بفعل الطاعات . ولسنا نريد باجتلاب المنفعة أن يكون هو الفاعل بما عنده ينتفع ، لأنا لا نفصل بين أن يكون هو الفاعل أو يفعل فيه غيره . والقول فيما يدفع به المضار من الآلات والعلوم وغيرها كالقول فيما ذكرناه ، ولذلك لم يصح عندنا أن يقال إنه تعالى لو كان عالما بعلم لوجب كونه محتاجا إليه ، لأنه تعالى ممن لا يصح عليه اجتلاب المنافع على وجه ، فوصفه بذلك على هذا المعنى لا يصح . وإن صح أن يقال إنه كان يحتاج إلى العلم ليصير عالما لأجله على وجه لولاه لم يكن عالما ، فكان يجب كونه محتاجا إليه على هذه الطريقة دون ما ذكرناه أولا .
فان / قيل : أوليس قد يقال في الميت إنه محتاج إلى الحياة وإن استحال أن يقال إنه يجتلب بالحياة المنفعة ، أو يدفع بها المضرة ، لأن كلا