فصل في أن / الحي لا يخلو من كونه محتاجا أو غنيا
اعلم أن الحاجة التي نريد ذكرها لا تجوز إلا على الحي ، لأن المنافع والمضار لا يجوزان إلا عليه لكونهما تابعين للذة والألم اللذين لا يصحان إلا على المدرك المشتهى أو النافر الطبع ، فإذا استحالت الشهوة والإدراك إلا على الحي ، فيجب استحالة الحاجة إلا عليه .
فأما حاجة الشيء في الوجود إلى غيره ، أو في الحدوث إلى فاعله ، أو في حصول الحكم له إلى علة ، أو في حدوثه إلى سبب ، إلى ما شاكل ذلك ، فلا مدخل له فيما نريد ذكره ، فالاعتراض به على ما قدمناه لا يصح ، وأما الغنى فإنه يرجع به إلى أنه حي ليس بمحتاج ؛ وكل حي هذه حاله وصف بأنه غنى ، ولا يعقل له معنى سواه . وكل صفتين جرتا هذا المجرى لم يخل الموصوف منهما ، لأنه يرجع بأحدهما إلى إثبات صفة ، وبالأخرى إلى نفيها ، كما لا يخلو ما يصح العلم به من وجود أو عدم ، والموجود من حدث أو قدم . ومتى انكشف معنى الصفتين اللتين هذه حالهما ، فالعلم بأن الموصوف لا بدّ من أن يكون على أحدهما ؛ من كمال العقل : فلذلك قلنا إن الحي لا يخلو من حاجة أو غنى ، ولا يمتنع في الموصوف متى اختص بصفة من الصفات أن لا يخلو من صفتين ، وإن كان متى خلا منهما لم يصحا عليه كما نقوله في القدم والحدوث في الموجودات . فلذلك ما ليس بحي لا يجوز عليه الغنى والحاجة ، وإن وجب في الحي أن لا يخلو من إحدى الصفتين . ولما كان للحاجة / تعلق بمحتاج إليه لم يمتنع في الحي أن