وقد علم أنه تعالى مع كونه حيا مستغن عن كل شيء فيجب وصفه بأنه غنى بالإطلاق من غير تقييد . وإذا ثبت بالدليل أن الحاجة تستحيل عليه وجب أن يقال : إنه غنى لما هو عليه في ذاته ، وإنما يصح على الواحد منا الحاجة والغنى لأنه ممن يصح عليه الشهوة والنفور ، فإذا استحالا جميعا على القديم تعالى وجب كونه غنيا .
فأما ما ليس بحي ، فوصفنا له بأنه غنى لا يصح لأنه غير مختص بالصفة التي معها يصح الغنى والحاجة ، كما أن ما ليس بحي لا يوصف بالقدرة والعجز ، ومن ليس بقادر لا يوصف بالفعل والترك .
وليس لأحد أن يقول : فإذا لم يفد كونه غنيا حالا يختص بها ، وإنما يفيد نفى الحاجة ؛ فلما ذا اختص به الحي دون غيره مع أن الحاجة عن الكل منتفية ؟
وذلك لأن وصف الغنى بذلك لا يفيد نفى الحاجة فقط ، وإنما يفيد ذلك فيمن هو بالصفة التي معها يصح الغنى والحاجة ، كما أن من لم يفعل الشيء إنما يوصف بأنه تارك إذا لم يفعله وهو قادر عليه دون من لا يفعله وهو غير قادر .
وكذلك لا يوصف من لم يعلم الشيء بأنه ساه إلا إذا كان ممن يصح أن يعلمه .
وهذه الجملة قد كشفت عن صحة ما قلناه من أن الغنى والحاجة يتعاقبان على كل حي ، وتوجب صحة القول بأنه تعالى إذا لم تجز عليه الحاجة / فيجب كونه غنيا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 10
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠