وكل قول يؤدى إلى هذه الجهالات وما شاكلها يجب القضاء بفساده . على أنه يجب أن نقول إن الموجود إنما يوصف بأنه يصح أن يرى لأنه يصح أن يعلم ، فتصح رؤية المعدوم كما تجوز رؤية الموجود ، ولا طريق يخرج به المعدوم من أن يصح أن يرى إلا وهو قائم في الموجودات التي لا نراها ، لأنه لا اعتبار بقوله إن المعدوم ليس بشيء ولا عين ولا نفس ، لأن ذلك عبارات لا يؤيد إطلاقها والامتناع منها في أن المعدوم كالموجود في أنه يصح أن يعلم على ما هو به ، لا سيما ومن قوله إن الإدراك لما تعلق بالشيء على ما هو به ، جاز تعلقه بكل موجود ، فيجب صحة تعلقه بالمعدوم أيضا .
وأما تعلقه بأنه لما كان عند الوجود يصح أن يرى الجوهر واللون فيجب أن يكون هو المصحح ، وأن يستمر ذلك في كل موجود ، فإنه ينتقض بما قدمناه ، لأنه يؤدى إلى القول بأن / كل حكم تجدد للموجود في حال وجوده أن يستمر في كل موجود حتى يقال في كل موجود إنه يصح أن يوجب كون العالم عالما كالعلم ، وأن يصح أن يبقى السواد كالبياض ، ويصح الفعل به كالقدرة ، ويصح أن يتحرك كالجسم ، وهذا تجاهل . على أن من قولنا إن الجوهر واللون عند تجدد وجودهما تجدد لهما حال يختصان به ، والرؤية تتناولهما لاختصاصهما بتلك الحال ، فيجب في كل ما حصل تلك الحال له أن تصح رؤيته .
وبعد : فإذا علم أن غير الجوهر قد شارك الجوهر في الوجود ، ولا نراه على طريقة واحدة على وجه من الوجوه وإن تعلقت به الأحوال والصفات ، وقد علمنا أن ما شارك الجوهر في التحيز يصح أن نراه على بعض الوجوه ، فيجب أن يكون المقتضى لصحة رؤيته ما يختص به في نفسه دون الوجود . وقد بينا من قبل أن القول بأنا نرى السواد لما يختص به لا يوجب أن لا يكون المرئى إلا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 87
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٧