تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
اللّه تعالى قد أجرى العادة بأن يخلق فيه ذلك كذلك . وذلك أن الأمر لو كان كما قاله كان لا يمتنع أن لا يخلق اللّه تعالى فيه تارة ويخلقه أخرى ، وأن يتفاوت حال ما يخلقه ، فكان لا يجب أن يكون ما يدركه مثل نفسه في سائر صفاته ، حتى يكون عدد شعر لحيته كعدد شعر لحيته نفسه ، وكذلك لونه . فكونه وسائر أحواله كأحواله . وفي وجودنا ذلك على طريقة واحدة ، دلالة على فساد هذا القول . على أن هذا القول يدل على بعد قائله من العلم : لأنه يجب على قوله أن يكون مثل السماء قد خلقه اللّه في / المرآة مع لطافتها ، ويوجب أن يكون مثل وجهه قد خلقه فيها وإن كانت أصغر منه . وكيف يجوز ذلك والمعلوم من حال ما رآه أنه ليس بموجود خلف المرآة ، ولا بينه وبين الصفحة الصقيلة ، والمعلوم من حال جملتها أنها كثيف لا يجوز أن يخلق فيها الجسم ، فصح أن ما يراه هو وجهه في الحقيقة ، وأنه إنما رآه للوجه الّذي ذكرناه . ومما يبين ذلك أنه يرى وجهه بحسب ما ينفصل الشعاع منه ، فمتى نظر في مرآة صغيرة رأى وجهه صغيرا ، وإن كانت كبيرة رآه كبيرا ، وإن نظر في عرض السيف رأى وجهه عريضا ، وإن نظر في طوله رآه طويلا ، فقد صح أنه إنما يرى وجهه بالشعاع المنفصل من الجسم الصقيل ، ولذلك يراه بحسب انفصاله منه ، فيجب أن لا يرى المرئيات بعينه إلا على هذا الوجه . يبين ذلك ما ذكره شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه من أن الواحد يرى قفاه بمرآتين إذا قابلت المرآة المحاذية لعينه المرآة المحاذية لقفاه ، فيتردد الشعاع بينهما ويتصل بالقفا فيراه . ولذلك يرى ما وراء الزجاج لتردد الشعاع فيه . ولذلك يرى ضوء الشمس ينفذ في الجامة « 1 » كنفوذه في الكوة ، وإن كان نفوذه
هامش
( 1 ) الجام إناء من فضة وجمعه : « جامات » .