تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وليس لأحد أن يقول : إنه متى قطع على حصول ما يتوقعه لم يوصف بأنه منتظر ، لأنا قد بينا أن حقيقة الانتظار هو توقع ما يظنه ويعتقده في / المستقبل ، ومتى علم ذلك كان حاله في الانتظار أقوى من حاله إذا اعتقد تقليدا ، أو ظن ذلك بأمارة . وليس لأحد أن يجرى الانتظار مجرى الرجاء والخوف اللذين يفيدان الظن بالمنافع والمضار دون العلم ؛ وذلك لأن مع العلم قد علم أنه لا يستعمل لفظة الرجاء والخوف ، ولم يثبت أن مع العلم بحصول ما يتوقع لا يستعمل لفظة الانتظار ، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر . وما قدمناه من أن جماعة التابعين قد حملوا الآية على معنى الانتظار يدل على أن الانتظار يستعمل فيما يعلم ، كما يستعمل فيما يظن . وأهل اللغة لا يفصلون في الانتظار بين العلم والظن ، بل يجرون ذلك على كل من توقع من غيره ما ينتفع به ، وربما اعتقد أحدهم أن ما يعده غيره به معلوم ، ويصف نفسه مع ذلك بأنه منتظر ، وقد قال تعالى :
« وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً »
« 1 » ، وقال :
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ »
« 2 » ، وكل ذلك المراد به العلم ، فبطل ما قاله . على أن هذا السائل لا يخلو من أن يقول في أهل الجنة إنهم يعلمون أن نعيمهم دائم ، أو لا يقول بذلك : فإن قال لا يعلمون ذلك لزمه أن يكونوا في حسرة وغم ، لأن من أوتى الخير العظيم ، وجوز انقطاعه ، كثرت حسراته . فإن قال يعلمون ذلك ، يلزمه على ما سأل عنه أن يكونوا بانتظارهم لذلك حالا بعد حال في حسرة وغم ، فقد لزمه على هذا القول أن لا ينفك أهل الجنة من حسرة وغم ، وهكذا يفضح اللّه تعالى المبطلين . فقد صح بهذه الجملة أن حمل الآية على أن المراد بها / الانتظار صحيح لا يمكن دفعه . وقوله :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
هامش
( 1 ) سورة ص : آية 15 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 210 .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 211 | القاضي عبد الجبار الهمذاني