المدور والمربع من جنس واحد ، وإنما يقال ذلك في شيئين مختلفي الجنس ، وقد علم من حال المربع أنه يجوز أن يصير مدورا بضم غيره إليه ، أو تفريق غيره عنه ، ولا يكون بذلك قد انقلب جنسه .
على أن إثبات القديم تعالى مسموعا ومدركا بحاسة الشم والذوق لا يقلب حقيقته لمثل / ما ذكره من الدليل ، فيجب على المعتل بهذه العلة أن يقول بصحة ذلك فيه . وإن ارتكب القول بذلك ، فقد خرج عن الإجماع ، لأنه لا أحد من المسلمين قال إنه يسمع ، وإنه يدرك بحاسة الأراييح والطعوم ، بل اتفقوا على تخطئة هذا القول .
فأما قول من قال إن موسى عليه السلام قد سمع ذاته متكلما ، وإن ذلك يصح فيه ، فقد بينا أن من أطلق ذلك فإنما يريد به أنه سمع كلامه ، لا أنه سمع ذاته ، كما أنهم إذا قالوا « سمعت زيدا يتكلم بكيت وكيت » فالمراد به أنه سمع كلامه دون ذاته . فأما ما يرتكبه بعضهم أنه لو وضع في أنفسنا المعنى الّذي لو وجد في العين لرأى به ، لصح أن يدرك بالأنف ولا يسمى شما ، فهذا مما يثبت أنه خلاف الإجماع ، لأنه إنما اختلفوا في جواز رؤيته بالأبصار أو بحاسة أخرى ، فأما ما قاله فلا خلاف فيه .
على أنا لم نلزمه ذلك ، بل ألزمناه أن يدرك بالإدراك الّذي تختص به حاسة الشم والذوق ، لا أنه يخلق في هاتين الحاستين ما تختص به العين ، وهذا مما لا يمكنه ارتكابه ودليله بوجه .
على أن ما اعتمد عليه يوجب صحة إدراك القديم تعالى لمسا ، لأن ما يلمسه لا تنقلب بإدراكنا لمسا حقيقته عما هو عليه كما ذكره في الرؤية .
فإن قال : إن ذاته وإن لم ينقلب ، فإنه يوجب حدوثه ، لأنه إنما يدرك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 189
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٩