لا تقلب حقيقة المرئى على ما قاله ، فليس بواجب دخول كل شيء تحت الرؤية ، كما أن حدوث الشيء لا يقلب حقيقته ، ولا يجب دخول كل شيء تحت الحدوث ، وبقاء الشيء لا يقلب حقيقته ، ولا يجب لأجل ذلك جواز البقاء على كل شيء ، فما في كون الرؤية غير مؤثرة في المرئى ما يدل على أنه تعالى يجب كونه مرئيا .
وبعد : فإن الشيء بأن تستحيل رؤيته لا تقلب حقيقته عما هو عليه ، كما أنه لا تنقلب حقيقته لصحة رؤيته ، وإن دل ما ذكره على أنه تعالى يستحيل أن يرى وهذا يوجب كون الدلالة دالة على الشيء وضده ، وذلك محال ، لأن فيه إخراجا لها من أن تكون دلالة .
على أنه قد اعتمد هذا المعتل في علته على أنه تعالى ، إذا لم يوجب كونه مرئيا تشبيها بالمرئيات ، فيجب صحة رؤيته . وقد بينا من قبل أن رؤيته بالبصر توجب كونه جسما أو عرضا ، لأن من شرط صحة الرؤية بحاسة العين أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل ، فبطل ما قاله . على أنه لا / يجب - إذا لم يوجب تشبيها - جواز رؤيته ، لأن استحالة رؤيته ، في أنه لا يوجب التشبيه ، كصحة رؤيته . فلم صار ذلك بأن يدل على أنه يصح أن يرى أولى من أن يدل على أنه يستحيل أن يرى ؟ .
وبعد : فإنه قال لا يجب أن يكون ما يمنع من رؤية الأشياء يمنع من رؤيته ، وذلك يصحح رؤيته . وهذا كلام من لا تمييز له ، لأن الكلام في ارتفاع المنع ، وفي ثبوته ، هو كلام فيما نراه وما لا نراه من المرئيات . فأما ما يستحيل أن يرى في ذاته ، فحصول المنع فيه كارتفاعه ، وارتفاعه كحصوله .
وبعد : فقد بينا من قبل أن استحالة الموانع المعقولة التي تمنع من رؤية المرئيات ، واستحالة تغير حاله ، يدل على أنه في ذاته لا يرى ، لأنه لو رؤى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 187
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٧