على أن كونه مستغنيا عن محل ومكان نفى ، فلا يصح أن نجعل العلة في صحة رؤية الشيء نفى الصفة عنه ، أو استحالتها عليه ، وإنما يرى الشيء لاختصاصه بصفة من الصفات ، ولذلك يعلم الرائي للجوهر كونه جوهرا متخيرا ، ولا يعلم كونه مستغنيا عن محل ومكان بالرؤية ، بل يحتاج أن يستدل على ذلك . فبطل القول بأنه إنما رأى لهذه العلة ، وبطل قياسهم القديم تعالى عليه .
على أن الدلالة قد دلت على أن السواد وسائر الألوان يرى ، وإن كان لا يستغنى عن محل ومكان . فقولهم بأن الجوهر إنما رؤى لاستغنائه عن محل ومكان ، مع أنه لا اختصاص للرؤية بما هذه حاله ، بل قد يرى ما هذه حاله ، ويرى ما يحتاج إلى محل ، فساقط .
فإن قال : أنا لا أسلم رؤية الأعراض ، وتقول إن المرئى في الشاهد ليس إلا الجوهر . قيل له : إن ما أوجب رؤية الجوهر يوجب صحة رؤية الألوان ، بل القول بصحة رؤية الألوان أظهر ، والتفرقة الحاصلة فيها عند الرؤية أجلى ، فلا فرق ، والحال هذه ، بين من قال لا يرى إلا الجوهر ، وبين من قال لا يرى إلا اللون ، فقد ثبت بهذه / الجملة بطلان هذه الشبهة . وقد أيد بعضهم بزعمه هذه الدلالة بأن قال إن ما يستغنى عن محل إنما يرى فيما تبينا ، لكونه غير حال في محل ، لأن ما حل في محل ، واحتاج إليه ، فقد علم أنه لا يرى ، بدليل أنه لو رؤى لوجب أن يعلم ، ولو علم لما شك في حاله ، ولما صح من نفاة الأعراض نفيه ، لأن الشيء لا يجوز أن يجهل من حيث يعلم ، ولا ينفى من حيث يثبت .
فصح بذلك أن ما يحتاج إلى محل لا يجوز أن يرى ، وأن المستغنى عن المحل إنما يصح أن يرى لاستغنائه عنه ، وهذا بعيد . وذلك لأن الرائي إذا رأى الشيء فيجب أن يعلمه على الوجه الّذي رآه عليه ، فأما أن يعلمه على سائر أوصافه التي لا تتناولها الرؤية فغير واجب ، فلا أحد رأى السواد إلا وهو عالم به وبمفارقته
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 183
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٣