تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
فأما الّذي يدل على أن الجوهر لم ير لأنه موجود باق ، فهو ما قدمناه ، لأن الباقي ليس له بكونه باقيا صفة زائدة على وجوده . فإذا دللنا على أن الموجود لا يصح أن يرى لوجوده ، فيجب أن لا يصح أن يرى الباقي لبقائه . يبين ذلك أن الجوهر في حال حدوثه في أنه يرى كهو في حال بقائه من حيث اختص في الحالين بما هو عليه في ذاته ، فعلم أن بقاءه كوجوده في أنه لا تأثير له في صحة الرؤية . على أن في الأعراض الباقية ما قد علم أنه لا يرى كالحلاوة والحموضة والرائحة والتأليف والحياة ، وذلك يبطل قوله إن الجوهر إنما يرى لأنه قائم بنفسه إذا أراد به هذا المعنى . فإذا بطل ذلك ، بطل حمله القديم جل وعز على الشاهد في ذلك . وأما ما يبطل به قوله إن الجوهر إنما يرى لأنه قائم بنفسه بمعنى أنه لا يحتاج إلى محل ومكان ، فهو أن الجوهر في حال عدمه لا يحتاج إلى محل ومكان كهو في حال وجوده ، وإن لم تصح رؤيته في حال العدم ، وقد ثبت بالدليل أن له ضدا لا يحتاج إلى محل ومكان ، وإن لم يصح أن يرى . وقد ثبت في إرادة القديم تعالى وكراهته أنهما قائمان بأنفسهما ، لا تحتاجان إلى محل ومكان ، وإن لم تصح عليهما الرؤية ، وكل ذلك يبطل ما قاله . فإن قال : إنما عنيت بذلك أنه موجود لا يحتاج إلى محل ومكان ، فلا ينتقض ذلك بما ذكرتموه من الإرادة والغنى ، لأنى لا أقول / بذلك . قيل له : إذا كان الوجود بانفراده لا يؤثر عندك في الرؤية ، لمشاركة غير الجوهر للجوهر في الوجود ، وإن امتنع رؤيته ، فيجب أن يكون الّذي صحح رؤيته كونه مستغنيا عن محل ومكان فقط ، وهذا يوجب ما ألزمناك من رؤية الجوهر المعدوم .