تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
فالطريق إلى العلم بأحدهما غير الطريق إلى العلم بالآخر ، فلا يجب أن يكون جل وعز ، من حيث شارك الرائي منا في كونه رائيا لغيره ، أن يكون رائيا لنفسه ، وأن يكون نفسه مرئيا . على أن الواحد منا لا يكون محركا لغيره إلا ويحرك نفسه ، كما لا يكون رائيا لغيره إلا ويرى نفسه ، ولم يجب أن يكون تعالى ، إذا كان محركا لغيره ، وصح ذلك منه ، أن يكون محركا لنفسه ، ويصح ذلك فيه من حيث لم يكن نفسه بالصفة التي معها تصح الحركة عليه ، فكذلك لا يمنع أن يكون رائيا لغيره وإن لم ير نفسه ، لمفارقة نفسه لغيره فيما له يصح أن يرى ، ويفارق حاله حال الواحد منا في ذلك . ومما يقارن هذه الشبهة قولهم إنه جل وعز لما كان عالما لنفسه لم يجز أن يعلم غيره إلا ويعلم نفسه ، كالعالم منا ، فكذلك إذا كان رائيا لنفسه ، لم يصح أن يرى غيره إلا ويصح أن يرى نفسه ، كالواحد منا ، وأكثر ما أجبنا به عن الفصل المتقدم هو جواب عن هذا . ومما ينقض هذه العلة أن كونه سبحانه / سامعا من صفات نفسه ولم يجب من حيث كان سامعا لغيره أن يكون سامعا لنفسه . فكذلك لا يجب أن يكون رائيا لغيره وإن لم يجب أن يرى نفسه . وإنما صح أن يعلم نفسه ، لا من حيث علم غيره ، لكن لأن نفسه معلوم كغيره ، ومن حق العالم لنفسه أن يعلم كل ما يصح كونه معلوما ، ولم يثبت كون نفسه مرئيا كغيره ، كما لم يثبت كون نفسه مسموعا كغيره ، فلم يجب من حيث رأى غيره وسمعه أن يكون مرئيا ولا مسموعا . فإن ارتكب القول بأنه تعالى يسمع ، ففي هذا خرق لإجماع ، لأن أحدا لم يقل بأن ذاته تعالى مسموعة ، وإنما قال بعض المتأخرين إنه يسمع ذاته متكلما على أن هذه العلة توجب أن يكون إذا أدرك الرائحة أن يدرك نفسه على الوجه