قيل له : إن نفى إدراك جميع المبصرين له يقتضي نفى ذلك في أبعاضهم وآحادهم ، كما أن إثباته نفسه مدركا جميعهم يقتضي إثباته مدركا لآحادهم ، فكيف يصح أن ينفى أن يدركه جميع المبصرين ، ويثبت بعضهم مدركا له ، وهل هذا إلا نقص من قائله ؟ !
فإن قيل : إنا نسلم لكم أن المراد بالآية نفى الرؤية بالبصر على ما / بينتموه ، فما الّذي تدفعون به القول بأنه تعالى أراد نفى الرؤية في الدنيا دون الآخرة على ما نذهب إليه ؟ قيل له : إن شيخنا أبا على رحمه اللّه أجاب عن ذلك بأن قال إنه تعالى قد نفى أن يدرك بالأبصار نفيا عاما من غير توقيت ، فيجب القطع على أن المراد به في كل حال ، ولا فرق بين من قال إنه أراد به في الدنيا دون الآخرة ، وبين من قال إنه أراد بذلك في بعض أوقات الدنيا دون بعض على ما يذهب إليه بعض من يقول بالحلول . ولا فرق بين من قال ذلك في هذه الآية وبين من قال بمثله في سائر ما تمدح بنفيه عن نفسه ، نحو تمدحه بنفي السنة والنوم ، ونفى الصاحبة والولد ، ونفى المثل . فإذا وجب حمل ذلك أجمع على أن المراد به النفي في كل حال ، فكذلك القول فيما ذكرناه . والمعتمد في الجواب عن ذلك أنه تعالى تمدح بنفي الإدراك عن نفسه وما كان نفيه مدحا مما يرجع إلى ذاته ، فإثباته له لا يكون إلا نقصا ، وصفات النقص لا تجوز على القديم سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب أن لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن لا يصح أن يكون المراد بالآية النفي في وقت دون وقت ، كما لا يصح أن يكون المراد بقوله :
« لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »
« 1 » نفى ذلك في حال دون حال . وإنما قلنا إن هذا هو المعتمد لأن قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 2 » هو نفى لإدراك الإبصار
هامش
( 1 ) سورة البقرة : آية 255 .
( 2 ) سورة الأنعام : آية 103 .