وليس لأحد أن يقول : إذا لم يكن كون المرئى في غير جهة محاذاتكم مانعا من رؤيته بالمرآة ، فيجب أن لا يكون مانعا من رؤيته بنفس الحاسة / ، لأنا قد بينا جواز اختلاف الأمرين . وقد دخل فيما ذكرناه من الموانع جملة ما لا نراه لأجل الموانع ، لأنه إن سأل عن الوجه فإنما لا يراه لأنه ليس في جهة محاذاتنا ، لأن ما يحاذى الوجه لا يجوز أن يكون في الحيز الّذي فيه الوجه . وكذلك القول في لون الوجه ، وفي الرأس ولون شعره ، وكذلك القول فيما خلفه ، وما عن يمينه ويساره ، فقد دخل ذلك أجمع في قولنا إنا لا نراه إذا كان في خلاف جهة محاذاتنا .
وقد أبطلنا قول من يقول لو كان ذلك منعا لوجب كونه منعا على كل حال وإن رأى بالمرآة . وقد دخل تعذر رؤيتنا للملائكة وسائر الأجسام الرقيقة تحت الرقة ، ودخل الجزء الواحد والأجزاء اليسيرة إذا انفردت عن غيرها تحت اللطافة ودخل البعيد تحت قولنا البعد ، وكذلك ما يقرب من العين قربا مفرطا حتى يصير مماسا للناظر ، أو في حكم المماس له ، لا نراه للقرب المفرط الحاصل فيه ، وكذلك القول في المحجوب .
وما ذكرناه من قبل في الوجه الّذي له تصير حاسة البصر آلة يكشف عما ذكرناه من الموانع ، لأنا قد بينا أن من تمام آلته انفصال الشعاع منه على وجه مخصوص ، فما غير حال الشعاع عن ذلك الوجه أثر في الرؤية ، وما لم يغير حاله لم يؤثر فيه . ومتى كان المرئى محجوبا انقطع قاعدة الشعاع دونه فلذلك لا نراه .
ومتى كان بعيدا فلبعده ما يتفرق / الشعاع ، فلا يصير متصلا به على الوجه الّذي هو من تمام آلته ، لأنه يحتاج أن يعتمل في التحديق نحوه فصل اعتمال ، فيرق ما ينفصل من ناظره من الشعاع ، فلعلة المنفصل من الشعاع يتفرق فيصير
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 117
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٧