وهو أيضا عقل محض لأنه مجرد عن المادة وعاقل ومعقول لذاته ، لان عقليته له ذاتية وماهيته له لا من غيره ، والذي اكتسب من غير وجوده لا ماهيته ، فان كانت تلك الاعتبارات لا توجب كثرة في ذات واجب الوجود ، فلم أوجب الكثرة في ذات العقل الأول ؟ والسلب كالسلب والإضافة كالإضافة . وان أوجبت الكثرة في ذات العقل الأول فلتوجب في ذات واجب الوجود ، ويلزم على ذلك أن يضاف الأعيان الكثيرة إلى واجب الوجود ابداعا واختراعا . ولا يوجب صدورها عنه كثرة ، إذ لا يضاف إلى العقل الأول كما لا يضاف إلى واجب الوجود ، وهذا مما لا جواب له قطعا .
أقول : كأن المصارع يوسوس في بعض الأوقات ، وهذا قد ذكره غير مرة في باب كيفية صدور الأشياء من الأول تعالى ، وليس له تعلق بمسألة العالمية فكرره هاهنا من غير فائدة ، وقد ذكرنا له جوابا في كل موضع أورده ، فلا وجه لا عادته .
[ قال ] : « 1 » وأما قوله : هو مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له فالسؤال عليه : أنه عقل ثم أبدع ، أم أبدع ثم عقل ، أم عقل وأبدع معا ، أم كان عقله ابداعه « 2 » وابداعه عقلا ؟
فان قال : عقل ثم أبدع . لزم أن يكون المبدع شيئا ، أو تقدير شئ حتى يبدعه ، ويتعالى أن يكون معه شئ أو تقدير شئ .
وان قال : أبدع ثم عقل . لزم أن يكون عقله انفعاليا لا فعليا .
وان قال : عقل وأبدع معا . فلم يبدع ما عقل ولم يعقل ما أبدع ، وبطل قوله :
فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له .
هامش
( 1 ) وأما قوله . ج .
( 2 ) ابداعا . ب ج .