وقد قالت / 30 أالحكماء الذين هم أساطين الحكمة : إن الأول لا يدرك من نحو ذاته ، وإنما يدرك من نحو آثاره .
وإنما يدرك كل مدرك بقدر الأثر الذي أودع فيه وفطر عليه . فكل حيوان يسبحه بقدر ما احتمله من صنعه ، ووجد أثره في طبعه .
ولما كان حظ الإنسان من صنائعه وافر « 1 » ، ونصيبه من الطاقة أكثر ، كانت معرفته أقوى ونتيجته أوفى .
وإذا كانت رتبة الملائكة المقربين ، الذين هم في أعلى عليين ، أرفع وأعلى ، ولطائف الصنع في جواهرهم أسنى وأبهى ، كانت « 2 » معارفهم أصفى .
وكما لا يمكن أن يقف الحيوان على وجوه معارف [ الإنسان ، كذلك لا يمكن أن يقف الإنسان على وجوه معارف ] المقربين والملائكة ، ولا يقف الكلّ على وجه إحاطة الباري تعالى بجميع الموجودات جملها وتفاصيلها وكلياتها وجزئياتها ، ولا يشغله كلى عن كلى و [ لا ] جزئي عن جزئي ، وكلاهما بالنسبة إليه سواء .
وليس يلزم أن يقال إنه علم الأشياء قبل كونها أو بعد كونها ، كان قبل ، وبعد ، ومع ، أحكام زمانية ، خرج عن أن يكون زمانيا ، كما ظنه في الكسوف .
بل العلم [ الزماني يتغير بتغير الزمان ، والغير الزماني لا يتغير البتة ] ، وعلمه تعالى ليس بزمانى ، بل الأزمنة بالنسبة إليه على السواء .
هامش
( 1 ) مكتوبة هكذا في الأصل ، وجاء ما بعدها في صيغه أفعل التفضيل . لذا أرجح أن يكون صحيحها : أوفر .
( 2 ) في الأصل : كان .