ولما كان من شأن الباري تعالى الحكمة التامة ، عمد إلى الهيولى بعد تعلق النفس بها فركبها ضروبا من التركيب ، مثل السماوات والعناصر . وركب أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل . والّذي بقي فيها من الفساد ، فذلك لأنه لا يمكن ازالته . ثم إنه سبحانه وتعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا ، وصار ذلك سببا لتذكر عالمها وسببا لعلمها بأنها ما دامت في العالم الهيولاني لم تنفك عن الآلام وإذا عرفت النفس ذلك ، وعرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن الآلام ، اشتاقت إلى ذلك العالم ، وعرجت بعد المفارقة ، وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة .
قالوا وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين القائلين بالقدم والحدوث . فإن أصحاب القدم قالوا : لو كان العالم محدثا ، فلم أحدثه اللّه تعالى في هذا الوقت المعين ، وما أحدثه قبل ذلك ولا بعده .
المحصل — صفحة 281
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٨١