الفصل الثّالث في خصائص أرباب الفتوّة وسيرهم وطريقتهم « 1 »
قال اللّه - تعالى - :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
« 2 » . مدحهم اللّه - تعالى - بكمال الرّجوليّة وصدق الوعد والوفاء بالعهد ، فإنّ الوفاء تمام البرّ وختام الأمر فيها كما أشير إليه ، وبه وصف اللّه - تعالى - إسماعيل - عليه السّلام - حيث قال :
إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
« 3 » . وقال في وصف المتّقين :
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
« 4 » .
ولقد أحسن المأمون في بعض منشآته بقوله « 5 » :
احفظ خليلك لا تقطع مودّته * لا بارك اللّه فيمن خان أو قطعا
وأنشد بعض فتيان العرب :
فأكرم أخاك الدّهر ما دمتما معا * كفى بالممات فرقة وتنائيا
ومن خصائصهم المبالغة في حفظ الأسرار وصونها عن الأغيار حتّى لو هدّد أحدهم بالسّيف وأوعد بأنواع الضيم وعذّب بالنيران لما وجد منه غير الكتمان . وقد ورد التّعيير على الإذاعة في التّنزيل حيث قال :
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
« 6 » ؛ وأنشد بعضهم :
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم * على سرّ بعض غير أنّي جماعها
لكلّ امرئ شعب من القلب فارغ * وموضع نجوى لا يرام اطّلاعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم * إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
ومنها التّكرّم ؛ وهو : حماية الحرمة ورعاية الحشمة في مواقع التّهمة ومواضع الذلّة والريبة والإعراض عن مجاراة اللّئام والسّفهاء صيانة للعرض وإبقاء للرّواء ، كما أنشد بعضهم :
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني * فمضيت ثمّة قلت لا يعنيني
هامش
( 1 ) . س : طرائقهم .
( 2 ) . كريمة 23 الأحزاب .
( 3 ) . مقتبس من كريمة 54 مريم .
( 4 ) . مقتبس من كريمة 177 البقرة .
( 5 ) . م : - بقوله .
( 6 ) . مقتبس من كريمة 83 النّساء .