ألباب الثّامن في الوفاء
الوفاء نهاية أقدام الفتوّة وكمال المنّة فيها والقوّة ؛ إذ الفتوّة بصفاء الفطرة وزكاء النّفس ، والفطرة لا تصفو من ظلمة الجبلّة والنّفس لا تزكو عن الرّذيلة إلا عند الوفاء بالعهد القديم ، فإذا تمّ الوفاء وارتفع الغطاء وحصل كلّ سجيّة كريمة ولزم كلّ فضيلة سنيّة ، وما بقي شيء من الكمالات الّتي اقتضتها الفطرة بحسب صفاء استعدادها الأوّل في هذه الصّفاء الثّاني بالقوّة لم يوف العبد بعهد اللّه المأخوذ عليه ميثاقه ولم يوف حقّ الرّبوبيّة - الّذي يجب عليه أداؤه - ، فلم يكمل فتوّته وصفاؤه ، ولهذا وصف اللّه - تعالى - أوّل من تفتّى وسلمت فطرته واتّقى بقوله :
إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
« 1 » . ومدح قطب الأقطاب وسيّد الفتيان بقوله :
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ
« 2 » .
وهو : الخروج عن عهدة العهد السابق بإحكام العقد اللّاحق والمحافظة على عهود الإخوان بملازمة طريق المواساة والإحسان ورعاية حقوق الأصدقاء بالقيام بما يحب عليه من شرط الإخاء . قال اللّه - تعالى - :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
.
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ
« 3 » .
واللّب : هو خلاصة « 4 » جوهر الفطرة السّليمة الخالصة من قشر النّشآت « 5 » ؛ والعهد : هو ايداع قوّة معرفته وتوحيده والعلم بربوبيّته فيها وركز « 6 » الأدلّة في طباعها . ولا تظهر تلك القوّة ولا تبرز إلى الفعل إلّا بإحكام عقد الايمان والتزام شرائع الإسلام والقيام بوظائف حق العبوديّة وأداء حقوق الرّبوبيّة . قال اللّه « 7 » - تعالى - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 8 » « 9 » ، وذلك هو الوفاء مع اللّه - تعالى - .
وأمّا الوفاء مع الخلق ؛ فهو : التّمسك بحبل المودّة والتّثبّت على حكم الخلّة بحيث لا ينخزل عمّا شرط ولا يفتر فيما وعد ، ويوطّن نفسه على أن لا يريد بنفسه خيرا إلّا ويريد بالخليل أوّلا
هامش
( 1 ) . كريمة 37 النّجم .
( 2 ) . مقتبس من كريمة 7 الدّهر .
( 3 ) . كريمتان 20 / 19 الرّعد .
( 4 ) . م : خاصّة .
( 5 ) . م : النشأة .
( 6 ) . س : ركن .
( 7 ) . س : + تبارك .
( 8 ) . م : بالعهد .
( 9 ) . مقتبس من كريمة 1 المائدة .