تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل ومصنفات كاشانى — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
فهو يكذّب نفسه بايهامها تصوّر كمال ليست منه في شيء ؛ وذلك هو العجب الّذي وصفه النّبىّ - عليه السّلام - بقوله « 1 » : لو لم تذنبوا لخشيت عليكم أشدّ من الذّنب العجب ! العجب ! العجب ! « 2 » . ويكذّب غيره بإظهار فضيلة ليست فيه ، وهو الكبر الّذي قال فيه : من تكبّر وضعه اللّه . ولا مهجّن للمروّة كالكذب ! وإذا انهدمت « 3 » قاعدة المروّة انهدم بنيان الفتوّة ، وصحّ معنى قولهم : كلّ مدّع كذّاب ! ولو حصلت الفضيلة شاهدت النّفس فضل ربّها وفرط عناية خالقها بها حيث وهب له من فيضه الأقدس استعداد قبولها وفطرها صافية قابلة ولم يخلقها كزّة جاسية ، ثمّ وفّقها للتّزكية والتّصفية وإعداد المعدّات بالتّقلب في قواليب القربات والتّشبث بأهداب الصّالحات ثمّ أفاض عليها تلك الكمالات بتجلّى أنوار الصّفات ، فتضاءلت خضوعا وتواضعا وتفانت شكرا وحياء . لأنّها علمت بنور الهداية الحقّانيّة أنّ النّفس مأوى كلّ شرّ ومنبع كلّ رجس إذ هي من بقعة الإمكان والشّرور كلّها أمور عدميّة ظلمانيّة تنشأ من حيّز الإمكان والخيرات أمور وجوديّة نورانيّة تفيض من حضرة الرّحمن ، وكلّ ممكن فليس له من ذاته إلّا العدم ، فمن أين له الفضل وأنّى له لا كمال ! ومن آفاتها التّبذير والإسراف ؛ لأنّ سلوك طريق الفضيلة صعب ولزوم الجادة الوسطى مشكل والاحتياط في باب الجود هو الإمالة إلى طرف الإفراط ، إذ البخل مذموم مناف للفتوّة معلوم تنافيها 4 بالضرورة ، فربّما هرب صاحبها من الرّذيلة وجدّ في الهرب فوقع في جانب الإفراط ومدحه على ذلك الجاهل بالفضيلة أو المحتذي « 4 » بتلك الرّذيلة فرسخ في نفسه ودخلت الآفة من حيث لا يشعر فيبذل موجوده لا على وجه إرادة السّماح ، وهو من الجود ليس في مغدى ولا مراح . قال اللّه - تعالى - :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
« 5 » . وكذا التّهور بعين ما ذكرناه ؛ فأنّ الجبان لا يشكّ في رذالته . وربّما يطلب الحمد طالب الفتوّة لجهالته ، فيرتكب الأخطار لا لحماية الدّين والملّة ولا لحميّة الأهل والحوزة ويلقى بيده إلى التّهلكة ، يحسب نفسه من الشّجاعة بمنزل وهو بالحقيقة عنها بمعزل .
هامش
( 1 ) . م : - بقوله . ( 2 ) . راجع : ص 400 . ( 3 ) . م : انثلمت . ( 4 ) . م : المجتذي . ( 5 ) . مقتبس من كريمة 27 الإسراء .
مجموعه رسائل ومصنفات كاشانى — صفحة 551 | عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )