وهي - أعني : الحكمة - هاهنا تعرّف الموجودات على ما هي عليه وتحرّي وجوه الصّواب في الأفعال على ما ينبغي أن يفعل ، قال اللّه - تعالى - :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
« 1 » .
والصّدق إمّا في النّية - وهو : استقامة القصد إلى اللّه تعالى فيما يتوجّه إليه من الأفعال حتّى لا يشوبه غرض لغير اللّه - تعالى - ولا طمع ولا يفسده رياء ونفاق ولا طلب صيت وسمعة ولا ثناء ومدح ولا قصد عوض وثواب ولا توقّع مكافات وجزاء . فكلّ ذلك يهجّن المروءة « 2 » ويشين الفتوّة ، بل لا يفعل إلّا للّه « 3 » ويستخرج حقّ اللّه عليه في كلّ فعل وعمل منه ويجعله نصب عينه ولا يقصد غيره في فعله ، قال اللّه - تعالى - :
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
- « 4 » .
وإمّا في القول - وهو : مطابقته لما في الواقع ، قال اللّه - تعالى - : إنّ اللّه مع الصّادقين « 5 » ، ولا شيء يزرى « 6 » بالفتى كالكذب ، فإنّه أفضع للرجال من حيض ربّات الحجال وأشنع للفتيان من إتيان الذّكران ! - .
وإمّا في الفعل - وهو : أن لا يفعل في السّر ما يستحيي منه في العلانية ، ولا يترك سرّا ما يفعل جهارا ، ولا يخالف ظاهره باطنه ولا غيبه شهادته ، بحيث لو عرضت أعماله على العالمين لم يستنكف من شيء منها ، ولا يودّ « 7 » إخفاء بعضها ، ونعم القدم الصّدق ، ولهذا سمّي الخير وألحق به . قال اللّه - تعالى - :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
« 8 » . وقال :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
« 9 » . فمن لم يصدق لا حظّ له في الفتوّة ، بل لا خلاق له من المروءة ، ومن اعتاد الصّدق فقد استفتح باب كلّ خير واستدفع كلّ ضير واستعدّ لكلّ سعادة وكمال واستحفظ من كلّ شقاوة ووبال - .
ويلزمه الصّفاء ؛ وهو : تنوّر الصّدر وانشراحه لقبول « 10 » صورة الغيب . قال اللّه - تعالى - :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
« 11 » .
هامش
( 1 ) . مقتبس من كريمة 269 البقرة .
( 2 ) . م : - المروءة .
( 3 ) . م : - اللّه .
( 4 ) . مقتبس من كريمة 6 فصّلت .
( 5 ) . راجع : ص .
( 6 ) . م : لا يزرى شيء .
( 7 ) . م : لم يودّ .
( 8 ) . مقتبس من كريمة 2 يونس .
( 9 ) . مقتبس من كريمة 55 القمر .
( 10 ) . س : بقبول .
( 11 ) . مقتبس من كريمة 22 الزّمر .