تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

المقالة الثانية [ في الدلالة على ترتيب فيض الوجود عن وجوده مبتدءا عن أول موجود عنه إلى آخر الموجودات بعده ]

[ فصل 1 ] في أنّ الموجودات كيف تكون عن الأوّل وفي تعريف فعله

قد صحّ لنا فيما قدمناه من القول أنّ واجب الوجود بذاته واحد وأنّه ليس بجسم ولا في جسم ولا ينقسم بوجه من الوجوه ، فاذن الموجودات كلّها وجودها عنه . ولا يجوز أن يكون له مبدأ أو سبب من الأسباب بوجه من الوجوه ، لا الذي عنه أو الذي فيه أو به يكون ، ولا أن يكون لأجل شئ . فلهذا لا يجوز أن يكون كون الكلّ عنه على سبيل قصد منه ، كقصدنا لتكوين الكلّ ولوجود الكلّ ، فيكون قاصدا لأجل شئ غيره . وهذا الفصل قد فرغنا عن تقريره في غيره ، وذلك فيه أظهر . ويخصّه ، في امتناع أن يقصد وجود الكلّ عنه ، أنّ ذلك يؤدّى إلى تكثّر في ذاته ، فانّه حينئذ يكون فيه شئ بسببه يقصد ، وهو معرفته وعلمه بوجوب القصد أو استحبابه أو خيريّة فيه توجب ذلك ، ثمّ قصد ما ، ثمّ فايدة يفيدها إيّاه القصد ، على ما أوضحنا قبل ، وهذا محال . وليس كون الكلّ عنه على سبيل الطبع ، بأن يكون وجود الكلّ عنه لا بمعرفة ولا رضى منه ، وكيف يصحّ هذا ؟ وهو عقل محض يعقل ذاته . فيجب أن يعقل أنّه يلزمه وجود الكلّ عنه ؛ لأنّه لا يعقل ذاته إلّا عقلا محضا ومبدءا أوّلا . ويعقل وجود الكلّ عنه على أنّه مبدأه ، هو ذاته لا غير ذاته ، فانّ العقل والعاقل والمعقول منه واحد ، وذاته عالمة راضية لا محالة بما عليه ذاته . ولكنّ الأوّل تعقّله الأوّل وبالذات تعقّل ذاته التي هي لذاتها مبدأ نظام الخير في الوجود ، فهو عاقل