[ فصل 51 ] في أن أجسام الفلك مختلفة الأنواع وكلّ نفس تخالف الأخرى في النوع ، وكلّ عقل يخالف الآخر في النوع
وقد عرض للأوائل اختلاف في طبيعة الجرم السماوىّ ، فبعضهم يرى أنّ تلك الطبيعة واحدة بالنوع فيها وتختلف بالشخص . والمحصّلون على أنّ الطبيعة الخامسة جنسيّة ، وتحتها أنواع ، وكلّ نوع منها في شخص واحد ، لكماله ، فكلّ كرة نوع ، وكلّ كوكب نوع ، ولولا ذلك لما افترقت في أمكنتها ، وفي حركتها ، أو في وضعها .
وقد عرض شبه هذا الاختلاف في الأنفس المحرّكة لها : فقوم جعلوها من نوع الأنفس النطقية التي لنا ، وهذا بعيد غاية البعد . وقوم جعلوها نوعا آخر ، لكن هي في ما بينهما لا تختلف بالنّوع ، بل تختلف بالشرف والدنوّ . وكذلك جعلوا العقول المفارقة كلّها نوعا واحدا وتختلف بالشرف والدنوّ . وزعموا أنّه ليس يجب أن يكون كلّ نقصان بدخول الضدّ . فاستعانوا في ذلك بأمثلة جزئيّة . وقد غرّهم في ذلك كلام الإسكندر بأنّها مختلفة في النوع ولكن لا اختلافا بعيدا ؛ وهذا القول في أوّله تصريح باختلافها ، وليس في آخره نقض لذلك ؛ فانّ المختلفات في النوع منها متقاربة ، مثل الأحمر والأخضر ، ومنها متباعدة ، مثل الأحمر والأقتم .
ولكن الحقّ هو أنّ هذه معان ، والمعاني لا تختلف في استحقاق أن يكون هذا علة وهذا معلولا ، وهذا علّة لشئ لذاته كذا ، وهذا علّة لشئ مخالف لذلك ، وكلّ واحد منهما علة لذاته وجوهره ، على ما نوضحه . إلّا وفيها اختلاف معنوىّ وهو المباينة النوعية . والمتّفقات في المعنى ولا مادّة ولا فعل ولا انفعال لا تختلف أيضا في الشرف والدناءة بسبب ما اتفقت فيه من المعنى ، بل بسبب آخر في ذاتها . ولا يجوز أن يكون بسبب عارض ، فانّ بعض هذه لا مادّة لها ولا تنفعل . ثم إن