تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون ، لا عقلا خارجا عن القوّة إلى الفعل ، ولا عقلا منتقلا من معقول إلى معقول ، فانّ ذاته بريئة عمّا بالقوّة من كلّ وجه ، على ما أوضحنا قبل ، بل عقلا واحدا معا . ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود أنّه كيف يمكن وكيف يكون وجود الكلّ على مقتضى معقوله . فانّ الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها على ما علمت علم وقدرة وإرادة . وأمّا نحن فنحتاج في تنفيذ ما نتصوّره إلى قصد وإلى حركة وإلى إرادة حتى يوجد ، وهذا لا يحسن فيه ذلك ولا يصحّ لبراءته عن الاثنينية على ما أطنبنا فيه . فتعقّله علّة الوجود على ما يعقله . ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده ، وتبع لوجوده ، لا أنّ وجوده لأجل وجود شئ آخر . وهو فاعل الكلّ ، بمعنى أنّه الموجود الذي يفيض عنه كلّ وجود ، ووجوده بذاته ، ومباين لكلّ وجود غيره . وليس معنى قولنا « إنّه فاعل الكلّ » هو أنّه معطى الكلّ وجودا جديدا بعد تسلّط العدم على الكلّ ، وإن كان هذا هو معنى فاعل الكلّ عند العامّة . وحينئذ يطالبون أنّ هذا الفاعل هو فاعل من جهة أنّ وجودا صدر عنه ، أو من جهة أنّه لم يكن الوجود يصدر عنه ، أو من جهة اجتماع الأمرين . فإن كان من جهة أنّ وجودا صدر عنه ولا يعتبر حال عدم ذلك الوجود ، فالفاعل الأفضل هو الذي عنه الوجود أدوم . وإن كان فاعلا لأنّه لم يعط الوجود ؛ فقد صار غير فاعل إذا اعطى الوجود أي من جهة أنّه لا يصدر عنه . وإن كان فاعلا لأنّه اعطى الوجود لما كان ليس له وجود وكان لا يعطيه الوجود ، فليست الفائدة منه في ذلك العدم السابق . فان ذلك العدم لم يكن يحتاج إلى علّة ، بل إلى عدم العلّة ، لكنّ الفائدة منه أنّ لغيره منه وجودا ، وهو فضيلة هذه الصفة الّتي تسمّى فعلا . فإن كان الاسم لهذا الغرض خرج بشرط العدم فالاسم فاعل ؛ وإن أبى إلّا أن يكون الفعل لما تقدّمه العدم ، فانّا حينئذ