لا نسمّى نسبة الأوّل تعالى إلى الكلّ فعلا ، بل نطلب له اسما زائدا على هذا ، دالا على معنى أجلّ من الفعل .
ولأنّ هذه المعاني ليس لها عند الجمهور أسام فلا بدّ من أن ننقل لها الأسماء من الدلالات المشهورة إلى الدلالة على المعنى المطلوب ، فيجب أن نطلب اسما معظما من الأسماء التي تحاذى اسم الفعل .
[ فصل 2 ] في معنى الابداع عند الحكماء
وهذا الاسم هو الابداع ، فانّ الحكماء اصطلحوا على تسمية النسبة التي تكون إلى الكلّ إبداعا . والابداع عند العامّة بمعنى آخر ، وهو الاختراع الجديد لا عن مادّة . وأمّا الحكماء فيعنون بالابداع إدامة تأييس ما هو بذاته ليس ، إدامة لا تتعلّق بعلة غير ذات الأوّل ، لا مادّة ، ولا آلة ، ولا معنى ، ولا واسطة . وظاهر أنّ هذا المعنى أجلّ من الفعل .
وأمّا بالبحث الذاتي ، فلأنّ فائدة الفعل وجود شئ آخر غير دائم ، وفائدة هذا المعنى وجود دائم ، وأمّا عدم المفعول فلم يكن عن الفاعل . وإن كان شرف الفاعل أنّه أزال عدمه بعد ما كان ، فشرف المبدع أكبر ، لانّه منع العدم أصلا . ولكلى المعنيين ، اعني الابداع والفعل ، تأثير في العدم وفي الوجود ، امّا الفعل فاعطاء الوجود وقتا ورفع العدم وقتا لا دائما ، وأمّا الابداع فاعطاء الوجود دائما ومنع العدم دائما . فهذا المعنى إذن أجل وأشرف بالبحث الذاتي .
وأمّا بالبحث عن اللوازم فانّا قد بيّنا أنّ الفاعل بعد ما لم يفعل فإنه يفعل لا محالة في مادّة ، وبتوسّط حركة وزمان ؛ والمبدع الحقّ فانّه مبدأ لكلّ مادّة ولكلّ حركة ولكلّ زمان ولكلّ جملة .
فإذا نسبت العلّة الأولى إلى الكلّ معا كان مبدعا . وإذا نسبت بالتّفصيل لم يكن مبدعا لكلّ شئ ، بل لما لا واسطة بينه وبينه