واعلم أنّ اسم السماء واسم الكلّ واسم العالم كانت عندهم على سبيل الأسماء المترادفة ، كأنّهم لم يكونوا يعنون بالجوهر الفاسد الذي يشتمل عليه كرة القمر ، لأنّه أصغر نسبة إلى العالم السماوىّ من الحصاة الحادثة في بدن حيوان إلى بدنه . ثمّ إذا قيل : « حيوان » لم يدخل تلك الحصاة في جملته . ولم يمنع عدمه الحياة أن يكون الجسم الذي يحويه حيّا . والكلّ عندهم بالقياس إلى المبدأ الأوّل كشىء واحد حيّ ، له نفس عقليّة ، وله عقل مفارق يفيض عليه .
وربما قالوا : « كلّ » للسماء الأولى ، فانّ كثيرا من الفلاسفة جرت عادته بأن يسمّيه جرم الكلّ ، وحركته حركة الكلّ ، فبحسب اختلاف هذين الاستعمالين تارة يقولون عقل الكلّ ويعنون به جملة العقول المفارقة كأنّها شئ واحد ، ونفس الكلّ ويعنون به جملة الأنفس المحرّكة للسماويات كأنّها شئ واحد . وتارة يقولون عقل الكلّ ويعنون به العقل المحرك بالتشويق للكرة الأقصى التي هي أولى بالتشويق بعد الخير المحض ، ونفس الكلّ ويعنون به النفس المختصّة بتحريك ذلك الجسم .
فاشرف الموجودات بعد الأوّل تعالى شأنه عقل الكلّ ، ثمّ يليه نفس الكلّ ، وعقل الكلّ هو بالفعل دائما لا يشوبه ما بالقوّة . ونفس الكلّ ، لأنّه محرك يعرض له أن يكون بالقوّة دائما ، وقد عرفت كيف ذلك . وقد يصحّ لنا بما نبيّنه بعد ، أنّ طبيعة الاجرام الفاسدة وموضوعها حادثة عن جرم الكلّ ، فيسمّون ذلك طبيعة الكلّ ، ثمّ لكلّ جرم من الكائنات الفاسدة طبيعة تخصّه .
فيكون مراتب الصور : عقل الكلّ ، ونفس الكلّ ، وطبيعة الكلّ ؛ ومراتب الأجسام : الجسم الأثيرىّ السماوىّ ، والجسم الاسطقسىّ الأرضىّ ، والأجسام المتكونة . وسيتضح لنا فيما يستقبل أنّ أوّل الموجودات عن الموجود الحقّ هو عقل الكلّ على ترتيبه ، ثمّ نفس الكلّ ، ثمّ جرم الكلّ ، ثمّ طبيعة الكلّ .
المبدأ والمعاد — صفحة 74
مساهمون: أبو علي سينا
ص٧٤