كان بسبب عارض في بعض الأجزاء أو في الكلّ كانت الذوات متّفقة في الشرف والدناءة ، ومختلفة بلواحق وعوارض يشرف بعضها على بعض . وكلامنا ليس في هذا النوع من التفاوت ، بل في ما كان ذاتيّا .
وإذا كان التفاوت في جواهرها ، وجواهرها معان ، كان التّفاوت بمعان جوهريّة ، وهذا بعينه يوجب مباينة الأنواع . فقول هؤلاء « إنّها متماثلة في النوع ومختلفة في العلوّ والدنوّ » متناقض . بل الحقّ يكون لكلّ واحد منها نوع على حدة كلىّ عقلىّ ومثال عقلىّ لوجود مفرد مخصوص .
وليست إذا كانت هذه الموجودات متّفقة في أنّها لا أجسام ، يوجب ذلك اتّفاقها في النوع ، وإن اتّفقت ، بعد كونها لا أجسام ، في أنّها عقول ومفارقة للأجسام . كما انّ الأعراض متفقة أيضا في أنّها لا أجسام ، ولا يوجب ذلك اتّفاقها في النوع ، وإن اتفقت ، بعد أنّها لا أجسام ، في أنّها محسوسة وغير مفارقة . بل كما أنّ الموجودات الجسمانية الغير المفارقة مختلفة الأنواع ، كذلك الموجودات الغير الجسمانيّة المفارقة يجوز أن تكون مختلفة الأنواع ، وليست العقليّة لها إلّا أنّها مفارقة ، كما المحسوسة أنّها مواصلة .
[ فيجب أن تعلم أنّ المبدأ الأول وإن كان عقلا فلا شريك له في نوعه .
وكذلك لكلّ واحد من المبادى المفارقة بعده ] ويجب أن تعلم أنّ الجوهريّة والعقليّة ليس يقال عليها على سبيل الجنس ، بل على سبيل التقدّم والتأخّر ، وقد شرح الفرق بين الأمرين في كتب المنطق ؛ وأن تعلم أنّه ليس يوجب كون الشئ غير مقول عليها قول الجنس أن لا يكون الجوهر جنسا لغيرها ، فانّ الشئ قد يكون جنسا بالقياس إلى أشياء وغير جنس بالقياس إلى أشياء اخر .
المبدأ والمعاد — صفحة 73
مساهمون: أبو علي سينا
ص٧٣