وضعه أو أينه ، فانّه ليس أن يكون على وضع أو أين أولى بجوهره من وضع أو اين آخر له في حيّزه ، فانّه ليس شئ من أجزاء مدار فلك أو كوكب أولى بأن يكون ملاقيا له أو لجزئه من جزء آخر . فمتى كان في جزء بالفعل فهو في جزء آخر بالقوّة ، فقد عرض لجوهر الفلك ما بالقوّة من جهة وضعه واينه .
والتشبّه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال يكون للشئ دائما ، ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوىّ بالعدد ، فحفظه بالنوع والتعاقب ، فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال ، ومبدؤها الشوق إلى التشبّه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن . ومبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه ، فعلى هذا النحو يحرّك العلّة الأولى جرم السماء .
وقد اتضح لك أنّ الفيلسوف إذا قال : إنّ الفلك متحرك بطبعه فما ذا يعنى ، أو قال : إنّه متحرك بالنفس فما ذا يعنى ، أو قال : متحرك بقوّة غير متناهية تحرّك كما يحرّك المعشوق فما ذا يعنى ، وأنّه ليس في أقواله تناقض ولا اختلاف .
[ فصل 45 ] في أنّ لكلّ فلك جزئي محرّكا أوّلا مفارقا ، قبل نفسه ، يحرّك على أنّه معشوق ، وأنّ المحرّك الأوّل للكلّ مبدأ لجميع ذلك
ثم أنت تعلم أنّ جوهر هذا الخير المعشوق واحد ، ولا يمكن أن يكون هذا المحرك الذي لجملة السماء فوق واحد ؛ وإن كان لكلّ كرة من كرات السماء محرّك قريب يخصّه ، ومشوق معشوق يخصّه ، على ما يراه الفيلسوف والإسكندر وثامسطيوس وعلماء المشّائين ، فانّهم إنّما ينفون الكثرة عن محرّك الكلّ ، ويثبتون الكثرة للمحرّكات المفارقة وغير المفارقة ، التي تخصّ واحدا واحدا منها .
فيجعلون أوّل المفارقات الخاصّة محرّك الكرة الأولى ؛ وهو عند من تقدّم « بطلميوس » كرة الثوابت ، وعند من اقتدى بالعلوم التي ظهرت لبطلميوس كرة خارجة عنها محيطة بها غير مكوكبة ؛ وبعد ذلك محرّك الكرة التي تلى الأولى