تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
ملكة فاضلة ، أو نصير خيّرين ، وذلك أنّ المفعول يكتسب كماله من فاعله ، فمحال أن يعود فيكمّل جوهر فاعله ، فانّ كمال المعلول أخسّ من كمال العلّة الفاعلة ، والأخسّ لا يكسب الأشرف والأكمل كمالا ، بل عسى أن يهيّئ الأخسّ للأفضل والأشرف آلته ومادّته حتّى يوجد هو في بعض الأشياء عن سبب آخر . وأمّا نحن فانّ المدح الذي نطلبه ونرغب فيه هو كمال غير حقيقىّ ، بل مظنون ، والملكة الفاضلة التي نحصّلها بالفعل ليس سببها الفعل ، بل الفعل يمنع ضدّها ويهيّئ لها . وتحدث هذه الملكة من الجوهر المكمّل لأنفس الناس ، وهو العقل الفعّال أو جوهر آخر يشبهه . وعلى هذا فانّ الحرارة المعتدلة ليست سببا لوجود القوى النفسانيّة ، ولكن مهيّئ للمادّة ، إذ لا موجد ، وكلا منافى الموجد . ثمّ بالحملة إذا كان الفعل مهيئا ليوجد كمالا انتهت الحركة عند حصوله . فبقى أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته ، ليس من شأنه أن ينال ؛ وكلّ خير هذا شأنه فانّما يطلب العقل التشبّه به بمقدار الامكان . والتشبّه به هو تعقّل ذاته في كمالها الأبدىّ ، ليصير مثله ، في أن يحصل له الكمال الممكن له في ذاته كما حصل لمعشوقه ، فيوجب البقاء الابدىّ على أكمل ما يكون لجوهر الشئ في أحواله ولوازمه كمالا لذلك . . فما كان يمكن آن يحصل كماله الأقصى له في أوّل الأمر تمّ تشبّهه به بالثبات ، وما كان لا يمكن أن يحصل كماله الأقصى له في أوّل الأمر تمّ تشبّهه به بالحركة . وتحقيق هذا أنّ الجرم السماوىّ يستمدّ القوّة غير المتناهية بما يعقل من الأوّل ويسنح عليه من نوره وقوّته دائما ، فلا يكون له قوّة غير متناهية ، بل للمعقول الذي يسنح عليه نوره وقوّته . وهو ، أعنى الجرم السماوىّ ، في جوهره على كماله الأقصى . إذ لم يبق له في جوهره أمر بالقوّة . وكذلك في كمه وكيفه ، إلّا في
المبدأ والمعاد — صفحة 60 | أبو علي سينا