للحركة بالإرادة ، فقد عرفنا حال تلك القوّة ؛ فبقى أن يكون تحريكه على نحو آخر . ولأنّه قوّة غير متناهية فلا يجوز أن يحرّك بأن يتحرّك بوجه من الوجوه ، والّا فلها مادّة بوجه من الوجوه قابلة للتغيّر ، وهي جسمانيّة ؛ فتحريكها كما يحرّك المعشوق من غير أن يتحرك . فهي قوّة خير بالذات ، وأزل بالذات ، معشوق بالذات . ينال منها الكلّ الأزليّة والبقاء تشبها به .
ولنجعل لهذا الفرض مبدأ آخر فنقول : قد صحّ أنّ حركة الفلك إراديّة وحيوانيّة ؛ وكلّ حركة غير قسريّة فهي إلى أمر ما وتشوق أمر ما ، حتى الطبيعة أيضا فان معشوق الطبيعة أمر طبيعىّ ، وهو الكمال الذاتىّ للجسم ، إمّا في صورته ، وإمّا في أينه ووضعه .
ومعشوق الإرادة أمر إراديّ ، إمّا إرادة لمطلوب حسّىّ ، كاللذّة ، أو وهمىّ خيالىّ ، كالغلبة ؛ أو ظنّى ، وهو الخير المظنون ؛ أو عقلي ، وهو الخير الحقيقىّ .
فطالب اللّذة هو الشهوة ، وطالب الغلبة هو الغضب ، وطالب الخير المظنون هو الظنّ ، وطالب الخير الحقيقىّ هو العقل ، ويسمى هذا الطلب اختيارا . والشهوة والغضب غير ملائم لجوهر الجسم الذي لا يتغيّر ولا ينفعل ، فانّه لا يستحيل إلى حال غير ملائمة فيرجع إلى حال ملائمة فيلتذّ أو ينتقم من مخيّل له فيغضب ، وعلى أنّ كلّ حركة إلى لذيذ أو غلبة فهي متناهية ؛ وأيضا فانّ أكثر المظنون لا يبقى مظنونا سرمدا .
فوجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا وإرادة لخير حقيقىّ . فلا يخلو ذلك الخير : إمّا أن يكون ممّا ينال بالحركة فيتوصل إليه ، أو يكون خيرا ليس جوهره ممّا ينال بوجه بل هو مباين .
ولا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرّك ، فيناله بالحركة ، وإلّا لانقطعت الحركة . ولا يجوز أن يكون يتحرك ليفعل فعلا يكتسب بذلك الفعل كمالا ، كما من شائنا أن نجود لنمدح ، ونحسن الأفعال ليحدث لنا
المبدأ والمعاد — صفحة 59
مساهمون: أبو علي سينا
ص٥٩