الكون والفساد اختلافا ينتظم به بقاء الأنواع . كما أنّ رجلا خيّرا لو أراد أن يمضى في حاجته سمت موضع ، واعترض له اليه طريقان : أحدهما يختصّ بوصوله إلى الموضع الذي فيه قضاء وطره ، والآخر يضيف إلى ذلك إيصال نفع إلى مستحقّ ، وجب في حكم خيريّته أن يقصد الطريق الثاني ، وإن لم يكن حركته لأجل نفع غيره ، بل لأجل ذاته . قالوا : فكذلك حركة كلّ فلك إنما هي ليبقى على كماله الأخير دائما ، لكنّ الحركة إلى هذه الجهة وبهذه السرعة لينتفع غيره .
فأوّل ما نقول لهؤلاء : أنّه إن أمكن أن يحدث للأجرام السّماويّة في حركاتها قصد ما لأجل شئ معلول ، ويكون ذلك القصد في اختيار الجهة ، فيمكن أن يحدث ذلك ويعرض في نفس الحركة حتّى يقول قائل : إنّ السكون كان يتمّ لها به خيريّة تخصّها ، والحركة كانت لا تضرّها في الوجود وتنفع غيرها ، ولم يكن أحدهما أسهل عليها من الآخر أو أعسر ، فاختارت الأنفع .
فان كانت العلّة المانعة عن أن تصير حركتها لنفع الغير ، استحالة قصدها فعلا لأجل الغير من المعلولات ، فهذه العلة موجودة في نفس قصد اختيار الجهة .
وإن لم يمنع هذه العلّة قصد اختيار الجهة ، لم تمنع قصد الحركة ، وكذلك الحال في قصد السرعة والبطء ، فليس ذلك على ترتيب القوّة والضعف في الأفلاك ، بسبب تقدّم بعضها على بعض في العلو والسفل ، حتّى ينسب اليه ، بل ذلك مختلف .
ونقول بالجملة : لا يجوز أن يكون عنها شئ لأجل الكائنات ؛ لا قصد حركة ، ولا قصد جهة من حركة ، ولا تقدير سرعة وبطء ، بل ولا قصد فعل البتّة ، لأنّ كلّ قصد فيكون من أجل المقصود ، ويكون أنقص وجودا من المقصود ؛ ولأنّ كلّ ما كان من أجله شئ آخر فهو أتمّ وجودا من الآخر .
ولا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشئ الأخسّ ، ولا يكون البتة إلى معلول قصد صادق غير مظنون ، وإلّا كان القصد معطيا ومفيدا لوجود ما هو أكمل وجودا منه .
المبدأ والمعاد — صفحة 63
مساهمون: أبو علي سينا
ص٦٣