وإنّما يقصد بالواجب شئ يكون القصد مهيّئا له ويفيد وجوده شئ آخر ، مثل الطبيب للصحّة . فالطبيب لا يعطى الصحّة ، بل يهيّئ لها المادّة والآلة ، وإنّما يفيد الصحّة مبدأ أجلّ من الطبيب ، وهو الذي يعطى المادّة جميع صورها وذاته أشرف من المادّة . وربما كان القاصد مخطئا في قصده إذا قصد ما ليس أشرف من القصد ، فلا يكون القصد لأجله في الطبع بل بالخطإ .
ولأنّ هذا البيان يحتاج إلى تطويل وتحقيق فيه ، وفيه شبهة وشكوك لا تنحلّ إلّا بالكلام المشبع . فلنعدل إلى الطريق الأوضح فنقول : إنّ كلّ قصد فله مقصود ، والعقلىّ منه هو الذي يكون وجود المقصود عن القاصد أولى بالقاصد من لا وجوده عنه ، وإلّا فهو هذر .
والشئ الذي هو أولى بالشيء فانّه يفيده كمالا ما ؛ ان كان بالحقيقة فحقيقيّا وان كان بالظنّ فظنيّا . مثل استحقاق المدح ، وظهور القدرة ، وبقاء الذكر ، فهذه وما أشبهها كمالات ظنيّة . والربح ، والسلامة ، ورضا اللّه ، وحسن معاد الآخرة . وهذه وما أشبهها كمالات حقيقيّة لا تتمّ بالقاصد وحده .
فاذن كلّ قصد ليس عبثا فانّه يفيد كمالا ما لقاصده ، لو لم يقصده لم يكن ذلك الكمال . والعبث أيضا يشبه أن يكون كذلك ، فانّ فيه لذة أو راحة أو غير ذلك .
ومحال أن يكون المعلول المستكمل وجوده بالعلّة يفيد العلّة كمالا لم يكن . وانّ المواضع التي يظنّ فيها أنّ المعلول أفاد علّته كمالا مواضع كاذبة أو محرّفة ؛ وقد بيّنا ذلك وأوضحناه وحلّلنا الشكوك فيه .
فان قال قائل : إنّ الخيريّة توجب هذا ، فانّ الخير يفيد الخير .
قيل له : أمّا أوّلا فهذا موجبه النقص وطلب الكمال ، والنقص وطلب الكمال لما هو عدم شريّة ، ليس خيريّة .
وأمّا ثانيا فانّ الخيريّة لا تخلو : إمّا أن تكون صحيحة موجودة دون هذا القصد ، ولا مدخل لوجود هذا القصد في وجودها ، فيكون كون هذا القصد
المبدأ والمعاد — صفحة 64
مساهمون: أبو علي سينا
ص٦٤