فنسبة جميع أجزاء الحركة المتساوية في الجزئيّة إلى واحد واحد من تلك الإرادة العقليّة المنتقلة واحدة ، وكلّ شئ نسبته إلى مبدئه ولا نسبته واحدة فانّه بعد عن مبدئه بامكان ، ولم يتميز ترجّح وجوده عن لا وجوده . وكلّ ما لم يجب عن علّة فانّه لا يكون ، لأنّ نفس إمكانه يكون قبل الوجود موجودا ، فيحتاج إلى تجدّد رجحان لوجوده يخرجه عن الامكان الذي كان قبل .
وكيف يصحّ أن يقال : إنّ الحركة من « ا » إلى « ب » لزمت عن إرادة عقليّة ، والحركة من « ب » إلى « ج » من إرادة أخرى عقليّة ، دون أن يلزم عن كلّ واحدة من تلك الإرادات غير ما لزم من الأخرى وليس في شئ من الإرادات تعيّن ، لا الألف ، ولا الباء ، ولا الجيم . وإلّا صارت نفسانيّة جزئيّة .
وإذا لم تتعيّن تلك الحدود في العقل ، بل كانت حدودا كليّة فقط ، لم يمكن أن توجد الحركة من « ا » إلى « ب » أولى من الّتي من « ب » إلى « ج » .
ومع هذا كلّه فانّ العقل لا يمكنه أن يفرض هذا الانتقال إلّا مشاركا للحسّ والتخيّل ، ولا يمكننا إذا رجعنا إلى العقل الصريح أن نعقل جملة الحركة وأجزاء الانتقال فيما نعقله دائرة معا .
فاذن على الأحوال كلّها لا غنى عن قوة نفسانيّة تكون هي المبدأ القريب للحركة ، وإن كنّا لا نمنع أن يكون هناك قوّة عقليّة تنتقل هذا الانتقال العقلىّ بعد استناده إلى شبه تخيّل ، أمّا القوّة العقليّة مجرّدة عن جميع أصناف التغيّر فتكون حاضرة المعقول دائما .
فإذا كان الأمر على هذا ، فالفلك متحرّك بالنفس ، والنفس مبدأ حركته القريبة الجزئيّة ، وتلك النفس متجدّدة التصوّر والإرادة ؛ وهي متوهّمة ، اى لها إدراك للمتغيّرات والجزئيات ، وإرادة لأمور جزئيّة بأعيانها ، وهي كمال جسم الفلك وصورته ؛ وإن كانت لا هكذا ، بل قائمة بنفسها من كلّ وجه ، لكانت عقلا محضا لا يتغيّر ولا ينتقل ولا يخالطه ما بالقوّة .
المبدأ والمعاد — صفحة 56
مساهمون: أبو علي سينا
ص٥٦