تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
الإرادة الكليّة نسبتها إلى كلّ جزء من الحركة نسبة واحدة ، فلا يجب أن تتعيّن منها هذه الحركة دون هذه ، وإلّا إن كانت لذاتها علّة لهذه الحركة لم يجز أن تبطل هذه الحركة ، وإن كانت علّة لهذه الحركة بسبب حركة قبلها أو بعدها معدومة كان المعدوم موجبا لموجود ، والمعدوم لا يكون موجبا لموجود ، نعم قد تكون الأعدام علّة للاعدام . وأمّا أن يوجب المعدوم شيئا فهذا لا يمكن . وإن كانت علة لأمور تتجدد ، فالسؤال في تجدّدها ثابت ، فإن كان تجدّدا طبيعيّا لزم المحال الذي قدّمناه ، وإن كان إراديّا فالسؤال في اراديّتها ثابت . وإن كان إراديّا يتبدّل بحسب تصوّرات متجدّدة فهو يثبت الذي نريده . فقد بان أنّ الإرادة العقليّة الواحدة لا توجب البتّة حركة ، ولكنّه قد يمكن أن ينتقل العقل من معقول إلى معقول إذا لم يكن عقلا من كلّ جهة بالفعل ، ويمكن أن يعقل الجزئىّ تحت النّوع منتشرا مخصوصا بعوارض ، عقلا بنوع كلّى ، على ما أشرنا إليه . فيجوز إذا أن يتوهّم وجود عقل يعقل الحركة الكلّية ، ويريدها ، ثم يعقل انتقالا من حدّ حركة إلى حدّ حركة ، ويأخذ تلك الجزئيّات بنوع معقول ، على ما أوضحناه . وعلى ما من شأننا أن نبرهن عليه في الكتب من أنّ حركة من كذا إلى كذا ثمّ من كذا إلى كذا ، يعنى من مبدأ ما كلّيا إلى طرف آخر كلّى بمقدار ما مرسوم كلّى . وكذلك حتّى تفنى الدائرة ، فلا يبعد أن يتوهّم أن تجدّد الحركة يتبع تجدّد هذا المعقول . فنقول : ولا على هذا السبيل يمكن أن يتمّ أمر الحركة المستديرة ، فانّ هذا التأثير على هذا الوجه يكون صادرا عن الإرادة الكليّة ، وإن كانت على سبيل تجدّد وانتقال ، والإرادة الكلّية كيف كانت فانّما هي بالقياس إلى طبيعة مشترك فيها . وأمّا هذه الحركة التي من هاهنا بعينه إلى هناك بعينه فليست أولى أن تصدر عن تلك الإرادة من هذه الحركة الّتي من هناك إلى حد ثالث .
المبدأ والمعاد — صفحة 55 | أبو علي سينا