تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
حصل بالفعل ومستفيدا هو بالقوّة . فإذا الجسم يجب أن يتحرك بشيء ويحرّك نفسه أن يتحرك لا عن غيره بشيء ، فيكون المحرّك صورته والمتحرك جسميّته ومادّته ، وهذه الصورة تسمّى القوّة . ولنزد هذا شرحا فنقول : إنّ للحركة ذاتا حاملة وللحركة ذاتا فاعلة ، إذ كلّ حادث فله علّة فاعلة ؛ والحامل والفاعل لا يختلفان من جهة أنّ كلّ واحد منهما مبدأ للشئ ومحتاج إليه في كونه ، بل يختلفان بأنّ الفاعل يعطى الوجود مباينا لذاته ، بالذات ، لا بالعرض . مثل الطبيب يعالج نفسه ويتعالج عن نفسه ، ولكن يعالج بأنّه طبيب ، ويتعالج بأنّه مريض ، والصحّة تحدث بالطبيب لا من جهة أنّه طبيب ، بل في المريض ؛ فانّ الطبيب نفس ، والمريض بدن ، ولكن يقال بالعرض : إنّ الطبيب صحّ . كذلك الحال في كلّ علّة فاعلة وعلّة حاملة ، فانّهما إنّما يفترقان من جهة النسبة إلى الكائن . والذي عنه الكون غير الكائن ومباين له ، والذي فيه الكون مقارن للكائن وحامل له . وإذا كان هذا هكذا لم يمكن أن يكون شئ واحد علّة لحدوث الحركة وعلّة لقبول الحركة ، فيكون شئ واحد فيه الحركة بالذات وليست فيه الحركة إلّا بالعرض ، وهذا محال . فقد اتضح وبان أنّ ذات المحرّك غير ذات المتحرّك ، وإن كان جسم متحركا لا من شئ خارج عنه فظاهر أنّه إمّا أن يتحرك بتمامه عن تمامه ، وهذا محال ، فانّه يجعل الفاعل والمنفعل شيئا واحدا ، وإمّا أن يتحرك بتمامه عن بعضه ، وهذا يجعل ذلك البعض متحرّكا ، وإمّا أن يتحرك بعضه عن تمامه ، فيجعل هذا أيضا بعضا منه محرّكا ومتحرّكا ، ثمّ كيف يختلف التمام والبعض في هذا المعنى البتة . وإمّا أن يتحرّك بعضه عن بعضه ، فيفترق فيه المتحرّك والمحرّك .
المبدأ والمعاد — صفحة 37 | أبو علي سينا