البياض بالفصول ، لأنّ حقيقة البياضيّة حصلت لهما وتمّت ، لكنّها لا تقوم إلّا مقارنة لحامل تتقرّر فيه .
كذلك الجسميّة قد تمّت وانتهت ، لكنّها تقارن أمورا لا تخلو عنها ، فهكذا يمكن أن يحال طبيعة الجنس في المركّبات حتّى يكون نوعا آخر ، وإذا أحيل هكذا لم يكن حينئذ جنسا ، بل مادّة ، وكذلك إذا أحيل الفصل نوعا بنفسه لم يكن حينئذ فصلا ، بل صورة .
وأمّا الجسم الذي هو الجنس فليس مركّبا من مادّة وكميّة ، بل جوهر له الأبعاد كلّها فهذا هو الجنس . والفرق بينهما أنّ الجسم إذا أحيل فجعل مادّة كان جزءا من قوام الجواهر المحسوسة ، فلم يجز أن يقال عليها . ولذلك لا يجوز أن يقال : إنّ الانسان مجرّد نفس مادّة مع كميّة ، بل يقال فيه مادّة مع كميّة ، وقد لخّصنا هذا وحققّناه في كتاب البرهان .
ولولا أنّ الجسميّة طبيعة بنفسها متقرّرة من جهة ما هي جسميّة باعتبار مادّة ذات كميّة لما جاز أن ينتقل الجسم من الجماديّة إلى النباتيّة ومن النباتيّة إلى الحيوانيّة ، فإذا هو شئ موجود موضوع تمّ وضعه دون محمولاته ، ثم يحمل عليه المحمولات ، والطبيعة النوعيّة بل الشخصيّة هي التي بهذه الحال .
فامّا في البسائط فليس يمكن أن يردّ طبيعة الجنس إلى النوعيّة ، مثلا ليس حال اللون من البياض حال الجسميّة من الانسان ، فانّ الجسميّة يمكن أن يجعل جزءا من قوام الانسان له انفراد قوام في ذاته وإن كان مقارنا لغيره . وأمّا اللونيّة فلا يمكن أن تقرّر لها ذات إلّا أن تنوّع بالفصول التي تلحقها .
ولا تجد في البياض لونيّة وشيئا آخر غير اللونيّة منهما كان البياض ، كما من الجسم الذي بمعنى المادّة التي لها كميّة ومن صورة أخرى ليست بجسميّة يكون الانسان .
وإذا كان هذا هكذا لم يمكن أن تفرد للّونيّة طبيعة منوّعة تشترك فيها لونيّة
المبدأ والمعاد — صفحة 35
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٥