ولم يظهر منه امر ، يمكن بهذا القياس أن يثبت بعد أن يوضع إمكان وجود ما كيف كان . فلنورد الآن ما هو المشهور في إثباته ، وهو طريق الاستدلال ، وخصوصا من الحركة ، ونسلك السبيل التي سلكها « الفيلسوف » في كتابيه الكليّين ، أحدهما في كليّات الأمور الطبيعيّة ، وهو « السماع الطبيعي » والثاني في كليّات أمور ما بعد الطبيعة ، وهو كتاب « ما بعد الطبيعة » .
[ فصل 25 ] في إثبات المحرّك لكلّ حركة ، وأنّه غير المتحرّك
فنقول : أوّلا ، إنّ كلّ جسم متحرك فانّ له في حركته علّة . أمّا المتحرك بأسباب من خارج ، مثل المدفوع والمجذوب . والمدار يدفع من جانب ويجذب من جانب ، فالأمر في أنّ حركته من غيره ظاهر .
وأمّا الذي لا يرى ولا يعرف له محرّك من خارج فلنبرهن على أنّ حركته من غيره ، ولنختر لذلك براهين ثلاثة :
أوّلها : أنّ الأجناس في الأشياء المركّبة يمكن أن تتجرّد عن جنسيّتها ، ويعتبر لها ما تصير به أنواعا بل أشخاصا ، لا بفصول بل بنفس طبيعتها . مثال ذلك أنّ الجسم جنس في المعقولات للانسان والفرس وأنواع الحيوان والنبات وغير ذلك ؛ ولأنّ كلّ واحد منها له مادّة حاملة للكميّة ، فتلك المادّة مع تلك الكميّة جسم أيضا .
والجسم هو مقول عليه وعلى نظيره ، مثل الثاني ، قول النوع الأوّل ، لا قول الجنس ، وذلك لأنّ تلك المادّة مع تلك الصورة غير مختلف في الاثنين لشئ داخل في ماهيّته . نعم قد يقترن بكل واحد منهما شئ خاصّ مثلا ، أحدهما معه حرارة والآخر معه برودة ، ولكنّهما خارجان عن ذاتي الشيئين ، وإن كان لا يخلو منهما .
مثل أنّ البياض نوع آخر يقال على بياض الثلج وبياض الجصّ ، ولا يوجب اقتران البياض بذينك وما أشبههما ضرورة ولا خلوّه عنهما أن يقترن