تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
البياض والسواد ، ويمكن ذلك للجسميّة . وإذا قرّرنا هذا فنقول : إنّ الجسم لو كان متحرّكا بذاته لكان كلّ جسم متحركا . فإذا كلّ جسم متحرّك فله علّة تحرّكه . ولا ينقض هذا قول القائل : إنّ البياض لو كان اللون الذي يقارنه بياضا لذاته لكان كلّ لون بياضا . فإذا كلّ لون فانّما تبيّضه بعلّة ، وهذا محال . وذلك أنّ اللونيّة المطلقة لا يصير لها في الوجود نوعيّة ، حتّى يكون اختلافها بعد اللونيّة لعلل خارجة عن الذات فانّما يعقل مفردا عند العقل فيوجد عند العقل له علل في الاختلاف خارجة ، وهي الفصول ، فانّ الفصول في التعقّل كأشياء خارجة عن طبيعة الجنس ، وأمّا في الوجود فلا يكون في البسائط كذلك ، وفي المركّبات وقد نقلت طبيعة الجنس إلى طبيعة نوعيّة ، فتكون حينئذ الفصول عللا صوريّة خارجة عن ذات الطبيعة الجنسيّة . فإذا تقرّر هذا فبيّن أنّ الجسميّة في الوجود تلحقه علل تجعل هذا الجسم متحرّكا دون ذلك الجسم في الوجود ، لا فصول في التوهّم ، فكلّ متحرّك متحرّك بعلّته . وأمّا البرهان الثاني فانّه لو كان الجسم متحرّكا لذاته لما كان توهّم أمر في غيره ، أىّ أمر كان ، يوجب أن تبطل الحركة عن ذاته ، وتوهّم السكون في جزئه توهّم أمر في غيره ، وهو يوجب بطلان الحركة عن ذاته ، فليس الجسم متحرّكا لذاته ، فإذا للجسم محرّك . والبرهان الثالث أنّ الحركة أمر يحدث دائما ، وكل حادث فله علّة محدثة . فكل حركة لها علّة محدثة ، وهذا هو المحرّك . فامّا أن يكون هو المتحرّك نفسه أو شئ غيره ، ولا يجوز أن يكون هو المتحرك نفسه ، لأنّ المحرّك من جهة ما هو محرّك هو مفيد لوجود الحركة ، والمتحرك من جهة ما هو متحرّك هو مستفيد لوجود الحركة . ولا يجوز أن يكون شئ واحد من جهة واحدة مفيدا قد
المبدأ والمعاد — صفحة 36 | أبو علي سينا