تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
فهو واحد من جهة الفردانيّة ، لأنّ ماهيته له فقط ؛ ولا مشارك له في النوع ؛ ولانّه أيضا تامّ الذات من كلّ وجه ، فلا نقصان فيه يكثّر وحدانيّته . وهو حقّ ، وهو عقل محض ، لانّه ماهيّته مجرّدة عن المادّة ، ولأنّه صورة نظام الكل ، اى مبدأ حكيم ؛ وأنّه ليس يعقل الأشياء لأنّها موجودة ؛ بل توجد الأشياء لأنّه يعقلها ؛ وأنّه ليس يعقلها على أنّها معقولاته بالقصد الأوّل ، فتكثر ذاته ؛ بل هو واحد يعقل بالقصد الأوّل ذاته الحقّ ، فيكون عقل بالقصد الثاني ما ذاته مبدأ له ، وذلك لأنّه يعقل ذاته مبدءا لكلّ وجود ، فيعقل كلّ وجود . وأنّه منزّه عن تعقّل الفاسدات ، وعن تعقّل الأعدام ، كالشرّ والنقص ، فانّ متعقّل العدم ومدرك العدم إنّما يتعقّله إذا كان بالقوّة ، فانّ البصير إنّما يرى الظلمة إذا كان بصيرا بالقوّة ، لا بالفعل ، وبيّن أنّه خير محض ، لأنّه وجود صرف . ومعطى كلّ وجود ، لا لعوض ، بل للجود ، فانّ كلّ عوض فهو جزاء ومنفعة لكلّ فعل ، وما فعل للجزاء فليس فعله جودا محضا ، بل أخذا وإعطاء ، والجود المحض هو الفعل الكائن لا لعوض ، وكلّ طالب عوض منتفع ناقص ، فالأوّل يعطى الوجود للجود ، ولأنّه خير محض ، ولأنّ وجوده وجود يفضل على ذاته . فليس إنّما يجب منه وجود ذاته ؛ بل كلّ وجود ، لكمال منزلته في الوجود . وليس إنّما يعطى الوجود بأنّه هو انّما هو هولا عطاء الوجود ، حتّى يكون إعطاء الوجود علّة لوجوده وكمالا وسببا تماميّا ؛ كلّا ، فانّه لا سبب له من وجه ، على ما أوضحنا . ولا أيضا وجود الموجودات عنه على نحو خال عن الإرادة ، فتكون تابعة لوجوده من غير أن تكون هناك إرادة وجود ؛ وهذا محال ، لأنّه يعقل ذاته مبدءا للكل ، وإلّا فذاته غير معقولة على ما هي عليه . فإذا يعقل أنّ الكلّ كائن عنه ، ويعقل عنه أنّه مبدأ كلّ خير ، وأنّ إعطاء الوجود خير ، فهو لا محالة راض بوجود يوجد